تحسّن على الورق
في الوقت الذي أعلن فيه المجلس القومي لحقوق الإنسان تسجيل «تحسن» في أداء الدولة بملف الحقوق والحريات، تكشف قراءة متعمقة لتقريره السنوي، مدعومة بشهادات حقوقيين ووقائع موثقة، عن فجوة واسعة بين ما يروّج له التقرير وما يعيشه المواطنون فعليًا داخل أقسام الشرطة والسجون وأروقة المحاكم.
رصد انتقائي للانتهاكات
مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حسام بهجت، يرى أن التقرير «بُني على تناقض واضح»، إذ أشار إلى بعض الانتهاكات، لكنه همّش حجمها الحقيقي، وقدّمها باعتبارها استثناءات لا ظاهرة مستمرة.
وبحسب بهجت، فإن إدراج أسماء محتجزين بعينهم أو الإشارة إلى وفيات داخل أماكن الاحتجاز، لا يعني تحسنًا، طالما لم يصاحبه تحرك علني أو مساءلة أو حتى إعلان نتائج الزيارات والتدخلات.
تدخلات بلا أثر
أحد أبرز الأمثلة التي يكشفها التحقيق، حالة المحامية هدى عبد المنعم، العضوة السابقة بالمجلس. التقرير ذكر زيارة للمجلس إلى محبسها والاطلاع على ملفها الطبي، لكنه تجاهل الإشارة إلى منع أعضاء المجلس من مقابلتها، رغم أن قانون المجلس يخول له صراحة الاستماع إلى المحتجزين.
يعلّق بهجت:
«المجلس انتقل إلى السجن، ولم يُسمح له بمقابلتها، ومع ذلك لم يُسجّل اعتراضًا واحدًا… هذا ليس تدخلًا، بل تطبيع مع المنع».
ادعاءات لا يدعمها الواقع
التقرير تحدث عن تراجع حالات القبض والحرمان التعسفي من الحرية، وهو ما يصفه حقوقيون بأنه «منفصل عن الواقع»، في ظل استمرار الحبس الاحتياطي لسنوات، وتدوير المتهمين على قضايا جديدة بعد قرارات إخلاء السبيل.
كما أشاد التقرير بالإفراج عن شخصيات سياسية، من بينها أحمد الطنطاوي ومدير حملته محمد أبو الديار، دون الإشارة إلى أن الإفراج جاء بعد قضاء كامل مدة العقوبة، إثر محاكمة مرتبطة بمحاولة خوض الانتخابات الرئاسية.
الصحة والتعليم… تناقض بالأرقام
في باب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، اعتبر المجلس ارتفاع مخصصات الصحة والتعليم «إنجازًا»، رغم اعتراف رسمي سابق بعدم قدرة الدولة على الالتزام بالاستحقاقات الدستورية، ورغم إقرار التقرير نفسه لاحقًا بعدم تقييم مؤشرات الإنفاق فعليًا.
تجاهل منهجي لملفات حساسة
يتجاهل التقرير، بحسب التحقيق، ملفات جوهرية، أبرزها:
- العنف الطائفي وضعف استجابة الدولة له
- حرمان الأقليات الدينية غير المعترف بها من حقوق أساسية
- تصاعد قضايا «ازدراء الأديان» والقبض على عشرات بسبب آراء دينية
المال حاضر… والدور غائب
ورغم إعلان المجلس لأول مرة عن قوائمه المالية، والتي أظهرت ارتفاع موارده إلى 75 مليون جنيه، يتساءل حقوقيون عن جدوى هذه الموارد في ظل غياب تأثير ملموس، وتراجع المجلس عن إصدار بيانات أو مواقف علنية بشأن القوانين والانتهاكات.
تصنيف دولي لا يعكس الواقع
احتفظ المجلس بتصنيف «A» دوليًا، لكن لجنة الاعتماد نفسها أوصت بتوسيع صلاحياته ومنحه سلطة التحقيق، وهو ما لم يُنفذ حتى الآن، ما يطرح تساؤلات حول الفارق بين الشكل المؤسسي والممارسة الفعلية.
خلاصة التحقيق
يخلص التحقيق إلى أن ما يسميه تقرير المجلس «تحسنًا حقوقيًا» لا يتجاوز تحسين الصورة، في ظل استمرار:
- الاعتقال بسبب الرأي
- الحبس الاحتياطي المطوّل
- الإهمال الطبي داخل السجون
- الوفيات في أماكن الاحتجاز
ويؤكد حقوقيون أن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد الصفحات أو الصياغات، بل بوقف الانتهاكات، وإعمال القانون، وتمكين الضحايا من العدالة، وهو ما لا يزال غائبًا.



