يعكس الحديث الرسمي المتزايد عن ضرورة توفير برامج دعم لمتوسطي الدخل حجم التحول الذي طرأ على الأوضاع المعيشية في مصر خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد سياسات الحماية الاجتماعية مقتصرة على الفئات الأكثر فقرًا، بل امتدت لتشمل شرائح طالما اعتُبرت العمود الفقري للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويأتي هذا التحول في ظل تراكم أزمات اقتصادية متلاحقة، شملت ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وزيادات متتالية في أسعار السلع الأساسية والخدمات، ما أدى إلى تآكل دخول الطبقة الوسطى ودفع قطاعات واسعة منها إلى الاقتراب من حدود الفقر.
تآكل تدريجي للدخل
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن شريحة كبيرة من متوسطي الدخل باتت تعتمد على مدخراتها أو تلجأ إلى الاستدانة لتغطية نفقاتها الأساسية، في ظل عدم مواكبة الأجور لوتيرة ارتفاع الأسعار.
هذا الوضع خلق حالة من الهشاشة المعيشية، جعلت الطبقة الوسطى أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية، وأفقدتها دورها التقليدي كصمام أمان اجتماعي.
وبرغم الإجراءات الحكومية المعلنة لتخفيف الأعباء، يرى مراقبون أن هذه التدابير لا تزال محدودة الأثر، ولا تعالج جذور الأزمة.
وتتمثل الأزمة في اختلال هيكل الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية الموجهة خصيصًا لهذه الشريحة.
اعتراف رسمي بتحول خطير
دعم متوسطي الدخل يُعد اعترافًا ضمنيًا بأن السياسات الاقتصادية المتبعة خلال السنوات الماضية أسهمت في تضييق الخناق على الطبقة الوسطى.
كما دفعها تدريجيًا إلى فقدان امتيازاتها الاجتماعية، سواء في التعليم أو الصحة أو السكن.
كما يعكس هذا التوجه مخاوف من اتساع رقعة الفقر، حال استمرار تراجع أوضاع هذه الشريحة، بما يحمله ذلك من تداعيات.
مخاطر الانزلاق الجماعي
يحذر خبراء من أن انزلاق أعداد كبيرة من متوسطي الدخل نحو الفقر سيؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة الطبقية في مصر.
وذلك عبر تقلص الطبقة الوسطى لصالح توسع الطبقات الهشة، وهو ما قد ينعكس على معدلات الاستهلاك، والاستثمار.
ويرى هؤلاء أن معالجة الأزمة تتطلب سياسات أكثر شمولًا، تتجاوز الدعم المؤقت إلى إصلاحات هيكلية تضمن عدالة توزيع الأعباء.
بالإضافة إلى تحسين مستويات الدخل، وربط الأجور بالتضخم، إلى جانب ضبط الأسواق وتعزيز الرقابة على الأسعار.
ما بين الدعم والإنقاذ
في هذا السياق، يبدو أن الحديث عن برامج مساندة لمتوسطي الدخل لا ينفصل عن محاولة احتواء تداعيات مرحلة اقتصادية ضاغطة.
ومحاولة لإنقاذ ما تبقى من الطبقة الوسطى قبل انزلاقها الكامل نحو دائرة الفقر، وهو سيناريو بات أقرب مما كان عليه في أي وقت مضى.
