تقاريرعربي ودولي

عودة الاقتتال في اليمن: لماذا انهار الهدوء النسبي؟

بعد سنوات من الهدوء النسبي وتراجع حدة المعارك الواسعة في اليمن، عاد مشهد الاقتتال إلى الواجهة مجددًا، وهذه المرة من بوابة الجنوب، حيث صعّد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحركاته العسكرية والسياسية في محافظتي حضرموت والمهرة، بالتزامن مع حديث غير مسبوق عن “الاقتراب من إعلان الدولة”.

هذا التطور يطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب انهيار التهدئة، ومستقبل الصراع، وحدود التوافق بين الداعمين الإقليميين الرئيسيين: السعودية والإمارات.

لماذا عاد التصعيد الآن؟

الهدوء الذي شهدته اليمن خلال السنوات الماضية لم يكن نتاج تسوية سياسية شاملة، بل تجميد مؤقت للصراع فرضته ضغوط دولية، وإرهاق عسكري للأطراف، وانشغال إقليمي بملفات أخرى. جذور الأزمة – المتمثلة في تعدد مراكز القوة وتناقض المشاريع السياسية – لم تُعالج، بل جرى ترحيلها.

فشل الحكومة الشرعية

تعاني الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا من ضعف شديد على المستويين العسكري والخدمي، وفقدت القدرة على فرض سيادتها حتى في المناطق المصنفة “محررة”. هذا الفراغ فتح المجال أمام قوى محلية مسلحة – وفي مقدمتها المجلس الانتقالي – لتقديم نفسها كبديل قادر على فرض الأمن وإدارة الأرض.

طموحات المجلس الانتقالي

يبدو أن المجلس الانتقالي اختار هذا التوقيت بعناية، مستفيدًا من تراجع أولوية الملف اليمني دوليًا ورغبة في تثبيت نفوذ طويل الأمد واستغلال حالة الإنهاك داخل المعسكر الحكومي.

الصراع على الجغرافيا لا الهوية

التصعيد في حضرموت والمهرة لا يتعلق فقط بالانفصال، بل بالصراع على مناطق استراتيجية غنية بالموارد ومطلة على بحر العرب. السيطرة على هذه المحافظات تمنح المجلس ثقلاً جغرافيًا واقتصاديًا يجعله لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.

الاشتباكات بين قوات المجلس الانتقالي و”حلف قبائل حضرموت” تكشف أن الجنوب نفسه ليس كتلة واحدة. فبينما يرفع المجلس شعار “تمثيل الجنوب”، توجد قوى قبلية ومحلية ترفض هيمنته، وتطالب بصيغ حكم ذاتي محلي لا مركزي، ما ينذر بتحول الجنوب إلى ساحة صراع داخلي مفتوح، لا يقل خطورة عن الصراع مع الحوثيين.

العلاقة السعودية–الإماراتية

السعودية تدعم رسميًا وحدة اليمن والحكومة الشرعية، بينما تميل الإمارات إلى دعم قوى محلية جنوبية قادرة على تأمين الموانئ وخطوط الملاحة. هذا التباين ليس جديدًا، لكنه كان يُدار بهدوء. الجديد هو خروجه إلى العلن عبر بيانات وتحذيرات مباشرة.

تصعيد المجلس الانتقالي يضع السعودية أمام خيارين صعبين: إما القبول بالأمر الواقع الجنوبي، أو الدخول في مواجهة غير مباشرة مع حليف مدعوم إماراتيًا.

دعم محسوب أم ضغط تفاوضي؟

من غير المرجح أن تدفع الإمارات نحو إعلان دولة جنوبية في هذا التوقيت، لكنها قد تستخدم نفوذ المجلس الانتقالي كورقة ضغط لتحسين شروط أي تسوية إقليمية أو داخلية. دعمها للمجلس يبدو أداة نفوذ أكثر منه مشروع انفصال فوري.

هل يهدد التصعيد التحالف؟

رغم التصريحات المتشددة، فإن المصالح الاستراتيجية العميقة بين السعودية والإمارات تجعل من الصدام المباشر احتمالًا ضعيفًا. الأرجح هو احتواء الخلاف عبر قنوات سياسية وأمنية، مع فرض خطوط حمراء تمنع الانفجار الكامل.

أين يتجه المشهد اليمني؟

وفي ظل غياب مشروع سياسي جامع، فإن أي تصعيد جديد، حتى لو كان محدودًا، يحمل خطر الانزلاق إلى فوضى أوسع.

عودة الاقتتال ليست مفاجئة، بل نتيجة طبيعية لسلام لم يُبنَ على أسس سياسية حقيقية. أما العلاقة السعودية–الإماراتية، فرغم اختبارها الصعب، لا تزال محكومة بميزان المصالح، لا العواطف أو الشعارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى