تأتي استضافة الأكاديمية العسكرية المصرية لوزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري، وترؤسه مجلسًا علميًا لمناقشة الجوانب الدينية واللغوية لدارسي ما بعد الدكتوراه من أبناء المؤسسة الدينية، في سياق يتجاوز البعد الأكاديمي المُعلن، ليعكس مسارًا سياسيًا أوسع ينتهجه النظام المصري منذ سنوات، يقوم على توسيع نفوذ المؤسسة العسكرية داخل مختلف قطاعات الدولة، بما فيها المجال الديني.
توسيع نفوذ المؤسسة العسكرية خارج نطاقها التقليدي
منذ تولي عبد الفتاح السيسي السلطة، عمل النظام على إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومؤسساتها المدنية، عبر إسناد أدوار تعليمية وثقافية وإدارية متزايدة للمؤسسة العسكرية. ولم يعد دور الأكاديمية العسكرية مقتصرًا على إعداد القيادات العسكرية، بل امتد ليشمل برامج فكرية وإدارية وإعلامية، وصولًا إلى التدخل في تأهيل الكوادر الدينية، وهو تطور يثير تساؤلات جوهرية حول حدود هذا الدور وطبيعته.
الدين تحت مظلة الأمن
يرى مراقبون أن إشراف الأكاديمية العسكرية على برامج دراسات متقدمة لأبناء المؤسسة الدينية يندرج ضمن رؤية النظام لإعادة ضبط الخطاب الديني وفق اعتبارات أمنية وسياسية، وليس علمية أو فقهية بحتة. فبدل أن تظل المرجعيات الدينية مستقلة في صياغة مناهجها وتكوين علمائها، يجري إدخالها تدريجيًا في منظومة تخضع لإشراف مباشر أو غير مباشر من مؤسسات سيادية.
الأزهر… العقدة الأصعب
تمثل مؤسسة الأزهر الشريف التحدي الأكبر أمام هذه الرؤية، نظرًا لما يتمتع به من ثقل تاريخي واستقلال نسبي ومكانة شعبية ودولية.
وقد اصطدمت محاولات النظام للهيمنة على الأزهر، سواء عبر تشريعات أو تغييرات إدارية أو محاولات تطويع الخطاب الديني، برفض واضح من قياداته ورموزه، وعلى رأسهم شيخ الأزهر، فضلًا عن حالة تعاطف شعبي مع استقلال المؤسسة.
وفي هذا السياق، يقرأ البعض توسيع التعاون بين الأكاديمية العسكرية ووزارة الأوقاف باعتباره التفافًا غير مباشر على استقلال الأزهر.
عبر تعزيز دور الأوقاف – الأكثر خضوعًا للسلطة التنفيذية – كممثل رسمي للمجال الديني، على حساب المؤسسة الأزهرية.
الأوقاف ذراع تنفيذية
على مدار السنوات الماضية، تحولت وزارة الأوقاف إلى أداة مركزية في ضبط المجال الديني، من خلال السيطرة على المنابر.
ويعزز انخراط الوزارة في برامج تشرف عليها الأكاديمية العسكرية الانطباع بأن النظام يسعى إلى إنتاج رجل دين منضبط أمنيًا.
مخاوف متزايدة
ورغم غياب الاحتجاجات فإن قطاعات من النخب الدينية والفكرية ترى في هذا المسار مساسًا خطيرًا باستقلال الدين عن السلطة العسكرية.
كما تخشى من تحويل المؤسسات الدينية إلى أدوات تعبئة سياسية، تفقد معها مصداقيتها لدى المجتمع.
الدولة العميقة والدين
في المحصلة، لا يمكن فصل هذا التحرك عن مشروع أوسع لإعادة تشكيل الدولة المصرية على أساس مركزي شديد.
يكون هذا الأساس فيه المؤسسة العسكرية المرجعية العليا في السياسة والاقتصاد والتعليم والدين.
غير أن الاصطدام بالأزهر يظل نقطة كاشفة لحدود هذا المشروع، حيث يواجه السيسي مقاومة ناعمة لكنها راسخة، عنوانها:



