أعادت وفاة السجين السياسي هشام مكي داخل أحد أماكن الاحتجاز المصرية، ملف أوضاع السجون وحقوق الإنسان إلى الواجهة مجددًا، في وقت تواصل فيه الحكومة الترويج لتحسن أوضاع حقوق الإنسان، وهي الرواية التي كررها مؤخرًا وزير الخارجية بدر عبد العاطي في تصريحات رسمية، مؤكدًا أن مصر “أفضل حالًا من دول كثيرة” في هذا الملف.
غير أن الوقائع الميدانية، وفقًا لتقارير منظمات حقوقية محلية ودولية، ترسم صورة مغايرة تمامًا، تعكس استمرار نمط الانتهاكات والوفيات داخل السجون ومقار الاحتجاز، نتيجة الإهمال الطبي وسوء أوضاع الاحتجاز.
وفاة هشام مكي بعد تدهور صحي حاد
وأعلنت منظمات حقوقية، من بينها الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، وفاة السجين السياسي هشام مكي يوم 31 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عقب تدهور حالته الصحية نتيجة ما وصفته بـ”ظروف الاحتجاز القاسية”.
وذكرت الشبكة، في بيان صدر اليوم الأحد، أن مكي نُقل إلى مستشفى شبين الكوم بمحافظة المنوفية، حيث فارق الحياة، قبل أن يتم تسليم جثمانه إلى أسرته ودفنه.
وكان مكي محكومًا عليه بالسجن المؤبد، وتنقل خلال فترة احتجازه بين عدة أقسام وأماكن احتجاز، وسط حرمان متكرر من الرعاية الطبية اللازمة.
الإهمال الطبي
وأكدت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان أن وفاة مكي ليست حادثة معزولة، بل تأتي ضمن ارتفاع ملحوظ في أعداد الوفيات داخل السجون، نتيجة حرمان المحتجزين من حقهم في العلاج والرعاية الصحية، وتأخير نقلهم إلى المستشفيات إلى ما بعد تدهور حالتهم الصحية بشكل حاد.
واعتبرت منظمة عدالة لحقوق الإنسان أن وفاة هشام مكي تمثل “انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة”.
مطالبة بفتح تحقيق جاد وشفاف في ملابسات الوفاة، ومحاسبة المسؤولين، وضمان توفير الرعاية الطبية لكافة المحتجزين دون تمييز.
ديسمبر 2025: وفيات متتالية داخل أماكن الاحتجاز
وقبل أيام قليلة من الإعلان عن وفاة مكي، وثقت منظمة هيومن رايتس إيجيبت ثلاث حالات وفاة نتيجة الإهمال الطبي:
- عطا يوسف عبد اللطيف محمد (70 عامًا)، الذي توفي داخل سجن بدر 3 بعد أكثر من ثلاث سنوات اعتقال.
- أحمد سليمان المسعودي (55 عامًا)، الذي توفي داخل مقر تابع للأمن الوطني بمحافظة الشرقية، رغم صدور قرار بإخلاء سبيله.
وطالبت المنظمة بفتح تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن التعذيب والإهمال الطبي، معتبرة أن ما يجري يعكس سياسة ممنهجة.
أرقام صادمة: 54 وفاة خلال عام واحد
ووفقًا لما وثقته منظمات المجتمع المدني، فقد شهد عام 2025 وفاة ما لا يقل عن 54 سجينًا حتى منتصف ديسمبر.
تنوعت أسباب وفاتهم بين الإهمال الطبي المتعمد والتعذيب، في استمرار لما وصفته المنظمات بـ”نزيف الأرواح” داخل أماكن الاحتجاز المصرية.
تقارير مركز النديم: “خريطة القهر تساوي خريطة البلاد”
وكشف مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب عن تسجيل 840 انتهاكًا خلال النصف الأول من عام 2025 فقط.
وأظهرت التقارير الشهرية تسجيل عشرات حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، ومئات حالات الإخفاء القسري، والتعذيب، والإهمال الطبي.
تناقض الخطاب الرسمي
وتأتي هذه الوقائع لتضع علامات استفهام كبرى حول الخطاب الرسمي المصري بشأن “تحسن أوضاع حقوق الإنسان”.
ويرى حقوقيون أن استمرار الوفيات والانتهاكات داخل السجون ينسف مصداقية هذه التصريحات.
ويؤكد أن ما يجري على الأرض يتناقض بوضوح مع السردية الحكومية، ويكشف فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والواقع الحقوقي.
