مفاوضات سورية-إسرائيلية في باريس بوساطة أمريكية
في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، شارك وفد سوري برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني، الاثنين، في جولة مفاوضات جديدة مع مسؤولين إسرائيليين بوساطة أمريكية، في لقاء عُقد بالعاصمة الفرنسية باريس، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية “سانا” عن مصدر حكومي سوري.
وبحسب المصدر، يشارك في المباحثات أيضًا رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، حيث تتركز الجولة الحالية على إعادة تفعيل اتفاقية فضّ الاشتباك الموقعة عام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق تقدمت إليها عقب سقوط الحكم السابق، وذلك في إطار ما وصفته دمشق بـ”اتفاقية أمنية متكافئة تحترم السيادة السورية”.
مسار تفاوضي يتجاوز الترتيبات الأمنية
ورغم الطابع الأمني المعلن للمفاوضات، تشير معطيات عدة إلى أن ما يجري يتجاوز مجرد إعادة إحياء اتفاق قديم، نحو مسار سياسي أوسع قد يفتح الباب أمام تطبيع تدريجي للعلاقات بين دمشق وتل أبيب.
موقع “أكسيوس” الأمريكي كشف أن جولة باريس تمثل الاجتماع الخامس ضمن هذا المسار، وهو ما يعكس وجود قنوات اتصال نشطة ومستدامة، وليست مجرد لقاءات ظرفية.
كما أشار الموقع إلى أن واشنطن تضغط باتجاه اتفاق يضمن استقرار الحدود، ويمهّد لاحقًا لتطبيع دبلوماسي بين الطرفين.
واشنطن في موقع المايسترو
اللافت في هذه الجولة هو الحضور الأمريكي المباشر كوسيط رئيسي، ما يؤكد أن الملف خرج من الإطار الأممي التقليدي، وأصبح جزءًا من الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة.
وتسعى الإدارة الأمريكية، وفق تقديرات مراقبين، إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، عبر تحييد الجبهات المحيطة بإسرائيل.
لماذا يندفع الشرع نحو هذا المسار؟
يرى محللون أن اندفاع القيادة السورية الجديدة نحو التفاوض مع إسرائيل يرتبط بعدة اعتبارات:
أبرزها البحث عن شرعية دولية وضمانات للبقاء السياسي.
فالسلطة الجديدة في دمشق تواجه تحديات اقتصادية وأمنية هائلة، في مقدمتها العقوبات الغربية، وملفات إعادة الإعمار، والاعتراف الدولي.
وفي هذا السياق، يبدو أن تقديم أوراق طمأنة لواشنطن وتل أبيب بات جزءًا من استراتيجية البقاء.
قوامها: ضمان الاستقرار على الحدود الجنوبية مقابل تخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية، حتى وإن جاء ذلك على حساب ملفات سيادية كبرى، في مقدمتها الجولان المحتل.
خطاب الجهاد تحت الاختبار
أثارت هذه المفاوضات صدمة في أوساط واسعة، لا سيما في ظل الخلفية الأيديولوجية لبعض رموز السلطة الحالية. الذين لطالما رفعوا شعارات “الجهاد” و”مواجهة الاحتلال”.
ويرى محللون أن ما يجري اليوم يمثل انكشافًا حادًا للفجوة بين الخطاب والممارسة. إذ تتزامن مفاوضات باريس مع حرب إبادة تشنها إسرائيل على غزة، وسط صمت عربي.
تطبيع بلا إعلان
ورغم غياب إعلان رسمي عن تطبيع العلاقات، يرى مراقبون أن ما يحدث هو تطبيع فعلي بالتقسيط، يبدأ بالملف الأمني. ويمتد لاحقًا إلى ترتيبات سياسية ودبلوماسية أوسع، إذا ما توافرت الظروف الإقليمية والدولية المناسبة.
هل تمثل مفاوضات باريس خطوة اضطرارية لانتزاع الحد الأدنى من الاستقرار. أم أنها بداية لتفكيك آخر خطوط الاشتباك السياسي مع إسرائيل. في لحظة تاريخية تشهد فيها القضية الفلسطينية واحدة من أكثر فصولها دموية؟



