يُعد الإمام الأكبر الشيخ أحمد محمد أحمد الطيب واحدًا من أكثر الشخصيات الدينية إثارةً للجدل والاحترام في آنٍ واحد داخل مصر وخارجها.
فهو الرجل الذي نجح، على مدار سنوات، في الحفاظ على مكانة شيخ الأزهر باعتبارها مرجعية دينية عالمية لأهل السنة والجماعة، دون أن يتحول إلى تابع للسلطة أو أداة في يد السياسة، في زمن اختلطت فيه الحدود بين الدين والحكم.
وفي ذكرى مولده الثمانين، يبرز اسم الشيخ الطيب ليس فقط باعتباره عالمًا أزهريًا متواضعًا، بل كـ رمز لمؤسسة قاومت محاولات الترويض والتسييس، وظلت متمسكة بثوابتها الإسلامية مهما تبدلت مواقف الأنظمة.
شيخ الأزهر… منصب ديني لا شرفي
على عكس محاولات اختزال المنصب في كونه “شرفيًا”، ينظر الشيخ أحمد الطيب إلى مشيخة الأزهر باعتبارها أمانة دينية كبرى، لا تقل وزنًا عن أدوار سياسية أو عسكرية.
فهو “الشيخ الأكبر” لأكثر من مليار ونصف مسلم من أهل السنة، ومرجعية علمية لا تخضع للانتخابات ولا للتعيين السياسي المباشر.
وقد بدا ذلك واضحًا في مواقفه التي أغضبت أطرافًا متناقضة: فالمؤيد للنظام يحترمه لعلمه ووقاره، والمعارض يقدّره لاستقلاله ورفضه التبعية، بينما يجتمع الطرفان على الاعتراف بثقل الرجل ومكانته.
موقفه من فض اعتصام رابعة… أول خطوط الاشتباك
شكّل فض اعتصام رابعة العدوية عام 2013 أول اختبار حقيقي لاستقلال الإمام الأكبر.
ففي أعقاب الأحداث، أعلن الشيخ الطيب رفضه القاطع لسفك الدماء، وصرّح بأنه لم يكن راضيًا عن الحل الأمني، وغادر المشهد العام لفترة، في رسالة صامتة لكنها بالغة الدلالة.
ذلك الموقف كلّفه هجومًا شرسًا من إعلام السلطة آنذاك، لكنه ثبّت صورته كشيخ يرفض تبرير القتل باسم الدولة أو الدين، وهو ما منحه احترامًا واسعًا حتى بين خصومه الفكريين.
“تجديد الخطاب الديني”… حين قال الأزهر لا
عندما طُرحت فكرة ما سُمّي بـ “تجديد الخطاب الديني” بصيغة سياسية فوقية، كان الشيخ أحمد الطيب من أوائل من رفضوا اختزال الدين في تعليمات رئاسية أو أمنية.
وأكد مرارًا أن التجديد لا يعني هدم الثوابت، ولا إخضاع النصوص لمزاج السلطة.
وقف الإمام الأكبر في مواجهة محاولات تحميل الأزهر مسؤولية الإرهاب، معتبرًا أن المشكلة سياسية واجتماعية بالأساس، لا فقهية، وهو موقف وضعه في صدام مباشر مع خطاب رسمي وإعلامي أراد “إصلاح الدين” وفق مقاسات السلطة.
محاولة تسييس الأزهر… معركة صامتة طويلة
خاض الشيخ الطيب معركة هادئة لكن عميقة ضد محاولات تسييس الأزهر، سواء عبر تشريعات تمس استقلاله، أو عبر ضغوط إعلامية لتطويعه.
وتمسك بدستور 2014 الذي نص صراحة على استقلال الأزهر، رافضًا أي تعديل ينتقص من هذا الوضع.
لم يدخل الإمام الأكبر في صدام علني، لكنه استخدم أدوات الصبر والشرعية الدستورية. محافظًا على الأزهر كمؤسسة لا تتغير بتغير الحكام.
غزة… موقف لا يعرف المواربة
في العدوان الإسرائيلي المتكرر على قطاع غزة. برز الأزهر – بقيادة الشيخ أحمد الطيب – كـ المؤسسة الإسلامية الوحيدة في مصر التي اتخذت موقفًا حاسمًا لا لبس فيه.
استخدم الأزهر توصيفات واضحة: عدوان، احتلال، جرائم حرب، ورفض لغة التوازن الزائف بين الجلاد والضحية.
لم تُغير الضغوط السياسية ولا الحسابات الإقليمية من موقفه، وظل الأزهر صوتًا صريحًا في الدفاع عن فلسطين. في وقت التزم فيه كثيرون الصمت أو الخطاب الرمادي.
لماذا يحبه المختلفون؟
يحب أنصار النظام الشيخ الطيب لأنه لا يسعى للسلطة ولا ينازعها، ويحبه المعارضون لأنه لا يبرر الظلم ولا يهادنه.
أما المسلمون عمومًا، فيرون فيه عالمًا صوفيّ النزعة، أشعريّ المنهج، أزهريّ الهوى. لا يفرّط في الإسلام ولا يبيعه في سوق السياسة.
شيخ في زمن الاضطراب
في زمن اختلطت فيه المنابر بالقصور، وبات فيه بعض “الدعاة” أدوات صريحة للسلطة، بقي الشيخ أحمد الطيب حارسًا لهيبة الأزهر. ومثالًا نادرًا لعالم دين يدرك متى يتكلم، ومتى يصمت، ولمصلحة من.
وفي ذكرى مولده الثمانين. لا يُحتفى بالشيخ أحمد الطيب باعتباره رجلًا تجاوز عمرًا زمنيًا، بل باعتباره موقفًا ثابتًا في زمن التقلّب.
