فيضانات السودان تعيد الجدل حول سد النهضة الإثيوبي

أثارت موجة الفيضانات الأخيرة في السودان وتسجيل ارتفاع غير مسبوق في مناسيب نهر النيل جدلاً جديدًا بين دول الحوض. هذا الجدل يتركز حول إدارة المياه وملف سد النهضة الإثيوبي الكبير والتحكم فيه. حيث عادت المخاوف في السودان مع عودة ارتفاع المناسيب على مجرى النيل. وذلك بالتزامن مع حديث متزايد عن تغيّرات مفاجئة في تدفقات المياه القادمة من النيل الأزرق. وبينما تربط أصوات سودانية ومصرية هذه التطورات بإدارة سد النهضة، تتمسك أديس أبابا برواية مغايرة. تقول إثيوبيا فيها أن السد لا يصنع الفيضانات بل يخففها.

مشكلة الفيضانات

وتشير تقارير صحفية إلى أن موسم الفيضان هذا العام اكتسب حساسية إضافية بسبب اضطراب تشغيل سد النهضة. مع تداول تفسيرات تربط ما جرى بأعطال في التوربينات. ما قد يدفع إلى تصريف كميات كبيرة عبر المفيض بدل تمريرها عبر وحدات التوليد، خصوصًا عند تزايد الأمطار. وأفاد مسؤولون سودانيون بأن مناسيب المياه ارتفعت بشكل سريع في ولايات تقع على ضفاف النيل الأزرق والنيل الأبيض. ما دفع وزارة الري السودانية إلى إطلاق تحذيرات من فيضانات تهدد الأرواح والممتلكات. بينما تكثّفت جهود السلطات لحماية المناطق السكنية والمنشآت الحيوية.

خطر فتح المفيض

إن فتح المفيض أو بوابات التصريف بصورة غير متدرجة قد يرفع المخاطر على مناطق سودانية منخفضة قريبة من مجرى النهر. وذلك لأن موجات المياه تصل بسرعة وتضغط على السواتر والمنشآت. في المقابل، نقلت تغطيات دولية عن خبراء أن إثيوبيا ترى أن السد يساعد على “تنظيم” التدفق. وترى أن اتهامه بصناعة الفيضانات يتجاهل الطبيعة الموسمية للأمطار الغزيرة على الهضبة الإثيوبية.

من جهة أخرى، اتهمت مصر إثيوبيا بإدارة “غير منضبطة وغير مسؤولة” لسد النهضة. معتبرة أن السد تسبب في تفاقم فيضان النيل في السودان. وأن عمليات التشغيل والتصريف تمت دون تنسيق كافٍ مع دول المصب. مما يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة السكان وأمنهم المائي.

ومنذ بداية إنشاء سد النهضة في أبريل 2011، حذّرت مصر والسودان من أن تشغيله دون اتفاق قانوني ملزِم قد ينعكس على دول المصب. خصوصًا في سنوات الجفاف أو عند إدارة التصريف أثناء ذروة الأمطار. وتؤكد القاهرة أنها تعتمد بصورة شبه كاملة على النيل. وتطالب بقواعد واضحة للإطلاقات المائية. ورفضت إثيوبيا هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً. حيث تعتبر المشروع حق سيادي للتنمية وتوليد الكهرباء، وإنها لا تستهدف الإضرار بدول المصب. و شددت إثيوبيا على أن مشروع السد بُني وفق معايير هندسية عالية. وتؤكد إثيوبيا أنه لا يسبب الفيضانات، بل يساهم في تخفيف آثار الأمطار الغزيرة عبر التحكم في تدفق المياه. وتعتبر إثيوبيا الربط بين الفيضان والسد مبالغ فيه وغير دقيق.

تأثير سد النهضة على دول المصب

منذ بداية المشروع عام 2011، ارتفعت الأصوات في مصر والسودان للتحذير من أن التحكم غير المشترك في ملء وتشغيل السد قد يغيّر انتظام تدفق المياه إلى دول المصب. وهو ما قد يؤثر على الزراعة وشبكات الري والمياه الجوفية في فترات الجفاف والفيضانات.

وبينما تصر إثيوبيا على أن المشروع يعزز تنميتها ويضمن لها اكتفاءً في الكهرباء، تؤكد دولتا المصب أن غياب اتفاق قانوني مُلزم ينظم عمليات التشغيل والتصريف يعمّق المخاطر، ليس فقط في المواسم الاستثنائية، بل كجزء من إدارة المياه على المدى الطويل. وتستند مصر في جانب من موقفها إلى اتفاق 1959 الذي رفع مخصصاتها إلى 55.5 مليار متر مكعب سنويًا. حيث تخشى أن تؤدي أي إدارة منفردة لـسد النهضة إلى تضييق هامش الأمان المائي لديها. خصوصا عند اشتداد الجفاف وارتفاع الطلب المحلي.

في المحصلة، يبقى ملف سد النهضة حاضرًا كلما ارتفع منسوب النيل أو تراجع. لأن الخلاف لم يعد تقنيًا فقط، بل صار مرتبطًا بثقة سياسية مفقودة وبحاجة ملحّة إلى تنسيق فني وسياسي بين الدول الثلاث. وذلك لتقليل احتمالات الصدام وتفادي تكرار الكوارث من مفاجآت الفيضانات، لتحسّين إدارة سنوات الشح.

Exit mobile version