شريف سليمان.. مصري الأصل على رأس ميزانية نيويورك في لحظة مفصلية
زهران ممداني
مع تولّي زهران ممداني مهام منصبه كعمدة جديد لمدينة نيويورك مطلع يناير، جاء اختياره لشريف سليمان مديرًا لمكتب الإدارة والميزانية (NYC OMB) كأحد أوائل القرارات اللافتة، ليس فقط لثقل المنصب، بل لكونه يُسند إلى شخصية أمريكية من أصول مصرية، في مدينة تُعد قلب الاقتصاد الحضري الأكبر في الولايات المتحدة.
جذور مهاجرة ومسار صعود هادئ
وُلد شريف سليمان في حي كوينز بنيويورك لأسرة مهاجرة من مصر، ونشأ في بيئة تمثل نموذجًا كلاسيكيًا لتجربة الهجرة والاندماج داخل المجتمع الأمريكي.
درس العلوم السياسية في جامعة ولاية نيويورك، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية من بوابة العمل التشريعي، وهي المساحة التي صقلت فهمه للعلاقة المعقدة بين السياسة والميزانية وصناعة القرار.
من التشريع إلى إدارة المال العام
بدأ سليمان عمله داخل الجمعية التشريعية لولاية نيويورك، حيث شغل منصب رئيس موظفي النائب إريك فيتاليانو، ثم عمل مساعدًا تشريعيًا في إدارة العمدة الأسبق مايك بلومبرج.
لاحقًا، تولى منصب مدير الشؤون التشريعية للولاية، وشارك في تمرير حزم تشريعية وميزانيات محورية، من أبرزها برنامج «ما قبل الروضة الشامل»، الذي تحول لاحقًا إلى نموذج وطني.
هذا المسار التشريعي لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل شكّل قاعدة خبرة نادرة تجمع بين فهم السياسة العامة وإدارة الموارد، وهي معادلة حاسمة في مدينة مثل نيويورك.
اختبار الجائحة وإدارة الأزمات
في عهد العمدة بيل دي بلاسيو، عيّن سليمان مفوضًا لإدارة المالية في نيويورك (2020–2021)، خلال واحدة من أصعب الفترات المالية في تاريخ المدينة بسبب جائحة كورونا.
قاد حينها جهازًا يضم نحو 2000 موظف، وأشرف على تحصيل إيرادات تجاوزت 40 مليار دولار سنويًا، في ظل انهيارات اقتصادية وضغوط إنفاق غير مسبوقة.
نجح سليمان في الحفاظ على توازن نسبي داخل المالية العامة، ما عزز صورته كمسؤول قادر على إدارة الأزمات، لا مجرد تسيير روتيني للأرقام.
من الجامعة إلى قلب المدينة
قبل تعيينه الأخير، شغل سليمان منصب نائب رئيس جامعة مدينة نيويورك (CUNY) للميزانية والمالية والمدير المالي. بين سبتمبر 2023 وديسمبر 2025، حيث أدار ميزانيات تعليمية ضخمة. وعمل على ضبط الإنفاق في واحدة من أكبر المنظومات الجامعية العامة في الولايات المتحدة.
لماذا اختاره زهران ممداني؟
اختيار شريف سليمان لمنصب مدير مكتب الإدارة والميزانية لم يكن رمزيًا أو هوياتيًا بقدر ما كان اختيارًا وظيفيًا محسوبًا. فالعمدة الجديد يرفع برنامجًا طموحًا قائمًا على خفض تكاليف المعيشة، وتوسيع الخدمات العامة، وإعادة توجيه الإنفاق نحو العدالة الاجتماعية.
تنفيذ هذا البرنامج يحتاج إلى مسؤول مالي:
- يفهم السياسة دون أن يكون أسيرها
- ويجيد لغة الأرقام دون أن يعزلها عن الواقع الاجتماعي
وهو ما يجعل سليمان، بخلفيته التشريعية والتنفيذية، خيارًا منطقيًا في لحظة تتسم بحساسية مالية شديدة.
تحديات ثقيلة في انتظار صاحب المنصب
يدخل سليمان منصبه في وقت تواجه فيه نيويورك:
- فجوات مالية متوقعة بمليارات الدولارات بين 2027 و2029
- أعباء متزايدة مرتبطة بطالبي اللجوء
- ضغوطًا لتمويل النقل العام والإعفاءات الضريبية والخدمات الاجتماعية
وسيكون عليه التوفيق بين طموحات سياسية مرتفعة وواقع مالي شديد التعقيد، مع الحاجة الدائمة للتنسيق مع الحكومة الفيدرالية وحكومة الولاية.
دلالة تتجاوز المنصب
يحمل تعيين شريف سليمان دلالة أوسع من كونه إنجازًا شخصيًا؛ فهو يعكس قدرة أبناء الجاليات العربية. ومنهم المصريون، على الوصول إلى مواقع صنع القرار في أكثر المدن تعقيدًا وتأثيرًا في العالم. ليس عبر الخطاب، بل عبر الكفاءة والمسار الطويل داخل مؤسسات الدولة.
وفي مدينة يبلغ ناتجها المحلي نحو 2.5 تريليون دولار، ويقيم بها مئات الآلاف من أصحاب الثروات. يصبح موقع شريف سليمان أحد أكثر المواقع تأثيرًا في رسم ملامح المستقبل الاقتصادي والاجتماعي لنيويورك.



