أعلن وزير المالية أحمد كجوك، خلال جلسة حوارية عُقدت في مكتبة الإسكندرية، أن الدولة حققت زيادة في الإيرادات الضريبية بلغت نحو 600 مليار جنيه، بنسبة نمو وصلت إلى 35%، مؤكدًا أن هذه الزيادة تحققت «دون فرض أعباء جديدة على المواطنين»، ومشيرًا إلى أن المصالح الإيرادية باتت تقود مسار الإصلاح المالي في البلاد.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تعاني فيه مصر من ضغوط اقتصادية متزايدة، تشمل ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفجوة بين الدخول والأسعار، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه الزيادة الضريبية، ومن يتحمل كلفتها الحقيقية.
كيف تحققت الزيادة؟
وفقًا للخطاب الرسمي، تعزو الحكومة هذا النمو في الحصيلة الضريبية إلى تحسين كفاءة التحصيل، وتوسيع القاعدة الضريبية، والتحول الرقمي داخل المصالح الإيرادية، إلى جانب مكافحة التهرب الضريبي.
غير أن خبراء اقتصاديين يرون أن الزيادة الفعلية لا تنفصل عن ارتفاع الأسعار، إذ إن الضرائب غير المباشرة، وعلى رأسها ضريبة القيمة المضافة، ترتفع تلقائيًا مع كل موجة تضخم، حتى دون استحداث تشريعات ضريبية جديدة.
المواطن البسيط في قلب المعادلة
فعليًا، يتحمل المواطن العادي النصيب الأكبر من العبء الضريبي، خاصة عبر الضرائب غير المباشرة المفروضة على السلع والخدمات الأساسية، والتي لا تميّز بين محدود الدخل ومرتفعه.
ويشير مختصون إلى أن الطبقات المتوسطة والفقيرة تدفع الضرائب يوميًا عبر الاستهلاك. في حين تبقى مساهمة القطاعات الأعلى دخلًا أقل نسبيًا مقارنة بحجم ثرواتها. بسبب ثغرات هيكلية في النظام الضريبي.
خدمات غائبة مقابل ضرائب متصاعدة
أحد أبرز أوجه الانتقاد يتمثل في غياب العائد الخدمي على المواطن. إذ لا يلمس كثيرون تحسنًا ملموسًا في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والنقل. رغم الارتفاع المستمر في الحصيلة الضريبية.
ويرى مراقبون أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الضرائب، بل في ضعف الثقة بين المواطن والدولة. نتيجة شعور عام بأن ما يُدفع لا ينعكس على جودة الحياة أو مستوى الخدمات العامة.
إصلاح مالي أم تباين اجتماعي؟
في الوقت الذي تتغنى فيه الحكومة بارتفاع الإيرادات كدليل على نجاح الإصلاح المالي. يحذر اقتصاديون من أن الاعتماد المفرط على الضرائب الاستهلاكية قد يؤدي إلى تعميق الفجوة الاجتماعية. ويحدّ من قدرة المواطنين على مواجهة أعباء المعيشة المتزايدة.
ويؤكد خبراء أن أي إصلاح ضريبي مستدام يجب أن يقوم على عدالة توزيع العبء. وتفعيل ضرائب تصاعدية أكثر فاعلية على الدخل والثروة. إلى جانب تحسين مستوى الخدمات العامة، بما يعيد التوازن بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه.
تصريحات وزير المالية تعكس نجاحًا رقميًا في زيادة الحصيلة. لكنها تفتح في الوقت ذاته نقاشًا أوسع حول كلفة هذا النجاح اجتماعيًا.
فبينما تتقدم الأرقام على الورق، يبقى السؤال المطروح:
هل يشعر المواطن بأن هذه الزيادة تصب في مصلحته. أم أنها مجرد أعباء إضافية في واقع اقتصادي يزداد قسوة عامًا بعد عام؟
