أثار قرار وزير العمل رقم (187) لسنة 2025 بشأن تنظيم أحكام استقالة العامل، موجة واسعة من الجدل في الأوساط العمالية والحقوقية، وذلك بعد تحذير دار الخدمات النقابية والعمالية من خطورته، معتبرة أنه يمثل تراجعًا صريحًا عن الضمانات التي أقرها قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، ويعيد عمليًا ممارسات «استمارة 6» التي طالما عانى منها العمال لسنوات.
وجاء بيان الدار ليضع القرار في قلب خلاف متصاعد حول مستقبل حقوق العمال، لا سيما أنه صدر بعد 14 يومًا فقط من بدء العمل بالقانون الجديد، ودون عرضه على المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، وهو ما اعتبرته الدار مخالفة للإجراءات التشاركية التي نص عليها القانون، ومؤشرًا على استعجال يثير علامات استفهام.
ثغرة «التراضي» تشعل الأزمة
وأوضحت الدار أن المادة (167) من قانون العمل كانت كافية بذاتها لتنظيم الاستقالة وضمان صدورها بإرادة حرة، غير أن القرار الوزاري، بحسب البيان، أفرغ هذه الضمانة من مضمونها عبر المادة السادسة، التي استثنت حالات إنهاء عقد العمل «بالتراضي والتوافق» من شرط اعتماد الاستقالة لدى مكاتب علاقات العمل.
وفي هذا السياق، يرى كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، أن هذه الصيغة تمثل «بوابة خلفية» لإعادة إنتاج الفصل التعسفي، موضحًا في مداخلات سابقة أن جوهر المشكلة تاريخيًا لم يكن في الاستقالة الطوعية، بل في إجبار العمال على توقيع مستندات مسبقة تُستخدم ضدهم لاحقًا.
خبراء قانونيون: مخالفة لروح القانون
من جانبه، اعتبر المحامي الحقوقي والعمالي خالد علي أن القرار الوزاري يتناقض مع فلسفة قانون العمل الجديد، التي قامت على حماية الطرف الأضعف في علاقة العمل.
وأضاف أن استثناء “التراضي” من الضمانات الإجرائية يفتح الباب للتحايل القانوني، خاصة في ظل اختلال ميزان القوة بين العامل وصاحب العمل.
وبالمثل، يرى الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري، أن أي نص قانوني يُفترض تفسيره بما يحقق الغاية الحمائية التي صدر من أجلها، محذرًا من أن التوسع في الاستثناءات الإجرائية يُفرغ النصوص من مضمونها، حتى وإن بدت منضبطة شكليًا.
الإكراه الاقتصادي… المشكلة الأعمق
وفي المقابل، يؤكد مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر. أن تحذير وزارة العمل للعمال من التوقيع على اتفاقات «التراضي» يعكس إدراكًا رسميًا بخطورة الوضع. لكنه شدد على أن هذا التحذير يظل غير كافٍ في ظل واقع اقتصادي يعاني فيه العمال من البطالة وضعف البدائل. ما يجعل “الاختيار الحر” مفهومًا نظريًا أكثر منه واقعيًا.
وأشار البدوي إلى أن إلزام الاتفاقات بإقرار استلام العامل لكافة مستحقاته لا يوفر حماية حقيقية. بل قد يتحول إلى أداة قانونية لتحصين أصحاب الأعمال من أي مطالبات مستقبلية.
قانون تحت الاختبار
وعليه، يرى مراقبون أن الجدل الحالي يعكس أزمة أعمق تتعلق بمدى التزام السلطة التنفيذية بروح قانون العمل الجديد. الذي رُوّج له باعتباره خطوة نحو تحقيق توازن عادل في سوق العمل.
وفي حين شعر قطاع من العمال بقدر من الأمان عقب إلغاء «استمارة 6»، فإن القرار الجديد أعاد المخاوف إلى الواجهة. وطرح تساؤلات جدية حول جدوى الإصلاحات التشريعية إذا ما جرى الالتفاف عليها بقرارات تنفيذية.
مطالب بالإلغاء أو التعديل
وفي ختام بيانها، طالبت دار الخدمات النقابية والعمالية، بالتنسيق مع حملة الدفاع عن الحريات النقابية وحقوق العمل. بإلغاء القرار الوزاري رقم 187 لسنة 2025، أو تعديل مادته السادسة على الأقل. لضمان سريان ضوابط اعتماد الاستقالة على جميع صور إنهاء علاقة العمل، بما يمنع التحايل ويحفظ حقوق العمال.
وبينما لم تصدر وزارة العمل ردًا رسميًا حتى الآن، فإن الجدل مرشح للتصاعد خلال الفترة المقبلة. في ظل تصاعد الضغوط الحقوقية والنقابية. واتساع دائرة القلق من أن يتحول قانون العمل الجديد من مكسب تشريعي إلى نص معطّل بفعل قرارات تنفيذية.
