اقتصادمحلي

خطة إصلاح لقطاع الطاقة… هل ينقذ الدعم النقدي الفقراء أم يحمّلهم كلفة الأزمة؟

تعكف وزارة المالية على إعداد خطة إصلاحية شاملة لإدارة أزمات قطاع الطاقة، في محاولة لاحتواء الضغوط المتزايدة على الموازنة العامة، وسط ارتفاع كلفة الاستيراد وتراجع الإنتاج المحلي، وتنامي أعباء الدعم في ظل تقلبات الاقتصاد الكلي.

وبحسب مصادر مطلعة، تستهدف الخطة إصلاحًا هيكليًا متكاملًا لقطاع الطاقة، يقوم على استعادة التوازن المالي، وزيادة التدفقات النقدية، وترشيد الاستهلاك، مع التوجه نحو التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي المباشر، باعتباره أحد أكثر محاور الخطة إثارة للجدل اجتماعيًا.

من الدعم العيني إلى النقدي… تغيير في الفلسفة أم نقل للأعباء؟

تعتمد الحكومة في خطتها الجديدة على تقليص الدعم العيني للمواد البترولية والكهرباء، واستبداله بدعم نقدي مباشر للمستحقين، بدعوى تحسين كفاءة توزيع الدعم وضمان وصوله للفئات الأكثر احتياجًا، بدلًا من تسربه لشرائح غير مستحقة.

ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره نقلة في فلسفة الدعم، حيث تسعى الدولة إلى تقليل الهدر، وضبط الإنفاق، وتحقيق مرونة أكبر في إدارة الموازنة، خاصة مع تقديرات رسمية تشير إلى أن مخصصات دعم الطاقة في موازنة 2025/2026 تبلغ نحو 150 مليار جنيه، موزعة بين الكهرباء والمواد البترولية.

لكن هذا التوجه يطرح تساؤلًا محوريًا:
هل الدعم النقدي أكثر عدالة للمواطن الفقير، أم أنه يتركه مكشوفًا أمام موجات الغلاء؟

خبراء: الدعم النقدي قد يفقد قيمته سريعًا مع التضخم

يرى الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن التحول إلى الدعم النقدي «قد يكون أكثر كفاءة من الناحية المالية»، لكنه يحذر من مخاطره الاجتماعية، قائلًا إن «الدعم النقدي في بيئة تضخمية مرتفعة يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته الحقيقية خلال فترات قصيرة، ما يضعف أثره على الفئات الفقيرة».

ويضيف الفقي أن نجاح هذه السياسة «مرهون بربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم، ومراجعته دوريًا، حتى لا يتحول إلى مجرد رقم ثابت لا يغطي الحد الأدنى من الاحتياجات».

«المشكلة ليست في شكل الدعم بل في مستواه»

من جانبه، يؤكد الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، أن الجدل حول الدعم النقدي أو العيني «يتجاهل جوهر الأزمة». موضحًا أن «المشكلة الحقيقية ليست في شكل الدعم، بل في مستواه وقدرته على حماية الفقراء من صدمات الأسعار».

ويشير توفيق إلى أن «تحرير أسعار الطاقة مع منح دعم نقدي محدود قد يؤدي عمليًا إلى تحميل الفئات الفقيرة كلفة الإصلاح.

في حين تستفيد الدولة من خفض العجز فقط». محذرًا من أن ذلك قد يوسع فجوة عدم المساواة إذا لم تصاحبه سياسات اجتماعية مكملة.

تحوط مالي ورسائل طمأنة للمستثمرين

ضمن الخطة الإصلاحية، تعتزم وزارة المالية تفعيل أدوات التحوط ضد تقلبات أسعار النفط عالميًا. وتخصيص احتياطي طوارئ لمواجهة الارتفاعات المفاجئة، التزامًا بقانون المالية العامة الموحد.

ويرى خبراء أن هذه الخطوات تحمل رسائل طمأنة للمستثمرين والشركاء الدوليين. وتستهدف تحسين التصنيف الائتماني لمصر. خاصة في ظل تقديرات رسمية تشير إلى أن احتياجات البلاد من الغاز المسال قد تصل إلى 10 مليارات دولار خلال عام 2026.

دعم الطاقة بين الإصلاح المالي والحماية الاجتماعية

بدوره، يوضح الدكتور ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي، أن إصلاح قطاع الطاقة «ضرورة لا يمكن تأجيلها». لكنه يشدد على أن «أي إصلاح مالي لا يراعي البعد الاجتماعي سيؤدي إلى كلفة سياسية واقتصادية أكبر على المدى المتوسط».

ويضيف أن التحول إلى الدعم النقدي «قد يكون مناسبًا إذا جرى ضمن شبكة حماية اجتماعية متكاملة تشمل التأمين الصحي. ودعم الغذاء، وضمان حد أدنى للدخل». محذرًا من أن «ترك المواطن الفقير في مواجهة السوق وحده يعني عمليًا رفع الدعم لا إصلاحه».

بين تقليل العجز وحماية الفقراء

تسعى الحكومة من خلال هذه الخطة إلى تخفيف الضغط عن الخزانة العامة، وتقليص متأخرات قطاع الطاقة. وتحسين الاستدامة المالية. إلا أن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الإصلاح المالي وحماية الفئات الأكثر هشاشة.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل يكون الدعم النقدي أداة إنقاذ للفقراء، أم مجرد مرحلة انتقالية نحو رفع الدعم الكامل تحت ضغط الأرقام؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى