تداول امتحانات الشهادة الإعدادية. وقائع غش تؤكد فشل المنظومة التعليمية
أعاد تداول امتحانات الشهادة الإعدادية في عدد من المحافظات، اليوم، فتح ملف أزمات التعليم في مصر، بعدما تحولت وقائع الغش والتسريب من حوادث استثنائية إلى ظاهرة متكررة تتجدد مع كل موسم امتحانات، في مشهد يعكس خللًا هيكليًا عميقًا داخل منظومة يفترض أنها تخضع لإصلاح شامل منذ سنوات.
وشهدت امتحانات اليوم تداول صور لأسئلة مادتي اللغة العربية والعلوم بعد دقائق من بدء اللجان في محافظات الجيزة والمنوفية وأسيوط، عبر مجموعات على تطبيق «تليجرام» و«فيسبوك»، قبل أن تصدر المديريات التعليمية بيانات تؤكد «فتح تحقيقات عاجلة»، في تكرار لنفس السيناريو المعتاد.
وقائع اليوم… الغش يعود من بوابة الهواتف
وفي محافظة الجيزة، جرى تداول نموذج امتحان اللغة العربية مصحوبًا بإجابات كاملة بعد مرور أقل من 20 دقيقة من بداية اللجنة، فيما رصد أولياء أمور في المنوفية نشر صور من امتحان العلوم من داخل إحدى اللجان، التُقطت بهاتف محمول رغم قرارات منع اصطحاب الهواتف.
هذه الوقائع، التي وثقتها صفحات تعليمية معروفة، أعادت طرح تساؤلات حول جدوى الإجراءات المعلنة لتأمين اللجان، ومدى قدرة الإدارات التعليمية على فرض الانضباط داخل المدارس.
فشل إداري لا حادث عارض
ويرى الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي بالمركز القومي للبحوث التربوية، أن ما يحدث «ليس أخطاء فردية»، مؤكدًا أن تكرار الغش بنفس الآلية يعكس فشلًا إداريًا واضحًا في إدارة الامتحانات.
ويضيف مغيث أن «المنظومة تتعامل مع الغش بوصفه أزمة موسمية، لا مشكلة هيكلية، ولهذا تتكرر الوقائع دون حلول حقيقية».
سياسات مثيرة للجدل… ونتائج غائبة
ومنذ تولي وزير التربية والتعليم الحالي، اعتمد خطابًا يقوم على التحدي وفرض الأمر الواقع. مؤكدًا أن إصلاح التعليم «لن يُرضي الجميع»، مع وعود متكررة بتطوير شامل يعتمد على التكنولوجيا وتغيير أنماط التقييم.
غير أن الواقع، بحسب مراقبين، يكشف فجوة واضحة بين الخطاب والنتائج. إذ تتجسد الأزمة في أبسط استحقاقات العملية التعليمية: امتحان عادل وآمن يضمن تكافؤ الفرص.
ويرى الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع، أن «غياب العدالة في التقييم ينسف أي حديث عن تطوير التعليم». مشيرًا إلى أن فقدان الثقة في الامتحانات أخطر من ضعف المناهج أو طرق التدريس.
إنذار مبكر لامتحانات الثانوية العامة
وتثير وقائع الغش في الشهادة الإعدادية مخاوف حقيقية بشأن امتحانات الثانوية العامة المقبلة، التي تُعد الاختبار الأكبر للمنظومة التعليمية بأكملها.
ويؤكد الدكتور طارق شوقي، وزير التعليم الأسبق، في تصريحات سابقة. أن «أي خلل في الامتحانات الإعدادية يُعد مؤشرًا خطيرًا لما قد يحدث في الثانوية العامة». خاصة مع تطور وسائل الغش الإلكتروني واتساع نطاقها.
تآكل الثقة المجتمعية
ولا تقف تداعيات الغش عند حدود الامتحان، بل تمتد إلى تآكل الثقة بين الطلاب وأولياء الأمور والمنظومة التعليمية. حيث يشعر كثيرون بأن الاجتهاد لم يعد العامل الحاسم في التفوق، وأن الغش بات طريقًا موازيًا للنجاح.
وتحذر الدكتورة ماجدة نصر، أستاذة علم النفس التربوي. من أن «تكرار هذه المشاهد يرسخ ثقافة التحايل لدى الطلاب، ويُضعف قيمة التعليم ذاته».



