المساجد في عهد السيسي.. بين التطوير العمراني والتراجع الدعوي

أثارت تصريحات السيد محمود الشريف، نقيب السادة الأشراف، بشأن افتتاح مسجد العزيز الحكيم بالمقطم، وحديثه عن “طفرة غير مسبوقة” في إعمار المساجد خلال عهد عبد الفتاح السيسي، نقاشًا متجددًا حول طبيعة هذه الطفرة وحدودها، وما إذا كانت تتجاوز الإطار العمراني إلى دور المساجد التاريخي في بناء الوعي الديني والأخلاقي.

طفرة عمرانية واضحة… أرقام وبنيان يفرضان حضورهما

لا يمكن إنكار أن السنوات الأخيرة شهدت توسعًا لافتًا في إنشاء المساجد الجديدة وتطوير القديمة، سواء من حيث المساحة أو التصميم أو البنية التحتية، وهو ما أشار إليه نقيب السادة الأشراف حين وصف مسجد العزيز الحكيم بأنه “صرح عملاق ومؤسسة دينية متكاملة”.

هذا التوجه العمراني، الذي تقوده الدولة عبر الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ووزارة الأوقاف، يعكس اهتمامًا رسميًا بالشكل المعماري للمساجد، وبإبرازها كمعالم دينية وحضارية ضمن ما يُعرف بـ“الجمهورية الجديدة”.

السؤال الغائب: أين إعمار المساجد من الداخل؟

لكن في مقابل هذا الزخم الإنشائي، يبرز تساؤل جوهري يتجاهله الخطاب الرسمي في الغالب:
هل صاحب إعمار الحجر إعمارٌ للرسالة؟

يرى متابعون للشأن الديني أن كثيرًا من المساجد، رغم فخامتها المعمارية، تعاني فراغًا واضحًا في دورها التربوي والتعليمي، إذ تراجعت:

  • حلقات العلم المنتظمة
  • دروس الفقه والسيرة والتفسير
  • الدور الاجتماعي للمسجد كمساحة للنقاش والتوجيه والإرشاد

وباتت الصلاة في عدد كبير من المساجد مقتصرة على أداء الفريضة فقط، دون امتداد معرفي أو دعوي حقيقي، وهو ما يتناقض مع الدور التاريخي للمسجد في المجتمع الإسلامي.

ضبط الخطاب الديني أم تجفيفه؟

منذ سنوات، تبنّت وزارة الأوقاف سياسة مركزية صارمة في إدارة المساجد، شملت:

  • توحيد خطبة الجمعة
  • تقييد الدروس غير المعتمدة
  • قصر النشاط الدعوي على أئمة معينين وفق ضوابط أمنية وإدارية

وبينما تُبرَّر هذه السياسات بمواجهة التطرف وحماية “الدين الصحيح”، يرى منتقدون أنها أدت عمليًا إلى تحجيم الدور الحيوي للمسجد، وتحويله إلى فضاء منضبط إداريًا لكنه فقير دعويًا، الأمر الذي انعكس على عزوف قطاعات من الشباب عن المساجد.

المفارقة: مساجد فخمة… ومصلون أقل

المفارقة اللافتة أن اتساع رقعة البناء لم يقابله بالضرورة:

  • زيادة في الإقبال على المساجد
  • أو عودة المسجد كمركز جذب تربوي وثقافي

بل يشير واقع كثير من الأحياء إلى مساجد واسعة ذات حضور محدود خارج أوقات الصلاة، ما يطرح تساؤلات حول جدوى التركيز على الكم دون الكيف.

بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني

تصريحات نقيب السادة الأشراف تعكس بوضوح الرؤية الرسمية التي تربط إعمار المساجد بالبناء والتجديد، وتعتبره إنجازًا مكتمل الأركان، بينما يكشف الواقع الميداني عن فجوة بين:

  • إعمار البنيان
  • وإعمار الإنسان

وهي فجوة لا تُردم بالخرسانة ولا بالقباب الشاهقة، بل بإعادة المسجد إلى وظيفته الأصيلة: مدرسة للعلم، ومنبرًا للقيم، وملاذًا روحيًا واجتماعيًا حيًا.
اقرأ أيضا

مصر ترفع كفاءة الخدمات القنصلية برقمنة إصدار جوازات السفر

Exit mobile version