رغم الإعلان الرسمي عن سلسلة اكتشافات بترولية وغازية جديدة في الصحراء الغربية والشرقية ودلتا النيل، فإن المواطن المصري ما زال يواجه زيادات متتالية في أسعار الوقود والكهرباء، وذلك وسط خطاب حكومي يربط هذه الزيادات بارتفاع الأسعار العالمية.
غير أن بيانات الأسواق الدولية تشير، في المقابل، إلى استقرار نسبي في أسعار النفط والغاز مقارنة بذروات سابقة، ما يفتح باب التساؤلات حول حقيقة هذه المبررات.
ووفقًا لبيانات وزارة البترول، نجحت شركات خالدة والعامة للبترول ودسوق في إضافة إنتاج يومي يُقدَّر بنحو 47 مليون قدم مكعب من الغاز و4300 برميل بترول ومتكثفات.
إضافة إلى ذلك، تم الإعلان عن اكتشافات جديدة يُنتظر ربطها على الإنتاج خلال الفترة المقبلة.
لكن هذه الأرقام، رغم أهميتها الفنية، لم تنعكس على تحسن ملموس في وفرة الطاقة، ولا على تخفيف الأعباء السعرية عن المواطنين.
اكتشافات متتالية… دون أثر شعبي
اللافت هنا أن الإعلان عن هذه الاكتشافات يأتي في وقت تعاني فيه مصر من عدة أزمات متزامنة، أبرزها:
- نقص إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء،
- إلى جانب استيراد متزايد للغاز المسال،
- وكذلك ارتفاع دوري في أسعار الوقود والكهرباء.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن المشكلة لا تكمن في غياب الاكتشافات، بل في طريقة إدارة العائد منها وتوزيعه داخليًا.
ويقول الدكتور مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، إن
"الاكتشافات الحالية جيدة، لكنها محدودة الأثر مقارنة بحجم الطلب المحلي المتزايد، كما أن جزءًا كبيرًا من الإنتاج يُوجَّه لسداد مستحقات الشركات الأجنبية أو للتصدير، بدلًا من تخفيف الضغط عن السوق المحلية".
حجة "الأسعار العالمية" تحت المجهر
من ناحية أخرى، تتعرض الحجة الحكومية بشأن الأسعار العالمية لانتقادات متزايدة من خبراء الاقتصاد.
ويؤكد الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن
"أسعار النفط العالمية اليوم أقل بكثير من مستويات 2022، ومع ذلك تستمر الزيادات محليًا. وبالتالي فالمشكلة ليست عالمية بقدر ما هي هيكلية، تتعلق بعجز الموازنة، والدين، ومحاولات تقليص الدعم بأي ثمن".
ويضيف أن الحكومة باتت تستخدم قطاع الطاقة كـ"صمام مالي" لسد فجوات الموازنة، بدلًا من التعامل معه كقطاع خدمي واستراتيجي يمس حياة المواطنين مباشرة.
الإنتاج لا يكفي
في المقابل، يرى المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، أن الأزمة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه ظاهريًا.
ويقول إن
"الاكتشافات الجديدة مهمة، لكنها لا تزال دون مستوى الاكتفاء الذاتي الحقيقي. وفوق ذلك، يتم إعادة تصدير جزء من الغاز بعقود طويلة الأجل، بينما يتحمل المواطن فاتورة الاستيراد بالسعر الفوري".
كما يشير إلى أن غياب الشفافية بشأن كميات التصدير، وأسعار البيع، وآليات التسعير المحلي، يؤدي في النهاية إلى فقدان المواطن القدرة على فهم أين تذهب ثمار هذه الاكتشافات.
المواطن خارج معادلة الطاقة
وفي السياق ذاته، يرى الدكتور محمد فؤاد، الباحث في السياسات العامة والطاقة، أن
"السياسات الحالية تفصل بين الإنتاج المحلي والتسعير المحلي، لذلك لا توجد علاقة مباشرة يشعر بها المواطن بين أي اكتشاف جديد وتحسن في حياته اليومية".
ويضيف أن غياب العدالة في توزيع عوائد الطاقة، إلى جانب تحميل الفئات الأقل دخلًا كلفة الإصلاحات الاقتصادية، يساهم في تقويض الثقة في الخطاب الرسمي المتكرر حول الإنجازات.
بين الإنجاز الفني والإخفاق الاجتماعي
وبينما لا ينكر الخبراء أن قطاع البترول المصري حقق نجاحات فنية في مجالات الاستكشاف والحفر. إلا أنهم يجمعون على أن هذه النجاحات:
- لم تُترجم إلى استقرار سعري حقيقي،
- ولا إلى تحسن في الأمن الطاقي الداخلي،
- ولا إلى حماية اجتماعية للفئات الأكثر تضررًا من موجات الغلاء.
