رصدت منظمات حقوقية مصرية ودولية تصعيدًا خطيرًا في أوضاع الاحتجاز داخل عدد من السجون المصرية خلال الأشهر الماضية، وعلى رأسها سجن بدر 3 شرق القاهرة وسجن الوادي الجديد في قلب الصحراء الغربية، وسط اتهامات بانتهاكات ممنهجة، وإهمال طبي متعمد، وحرمان واسع من الحقوق الأساسية، ما أسفر، بحسب هذه المنظمات، عن وفيات متتالية وتدهور صحي واسع بين المعتقلين السياسيين.
سجن بدر 3: وفيات متتالية وظروف احتجاز قاسية
بحسب ما وثقته منظمة "هيومن رايتس إيجيبت" في بيان صدر الأربعاء، شهد سجن بدر 3 توترًا غير مسبوق نتيجة أوضاع احتجاز وصفتها مصادر مطلعة داخل السجن بـ"بالغة القسوة"، أدت إلى وفاة ثمانية سجناء سياسيين خلال ثمانية أشهر فقط.
وأشارت المنظمة إلى إصابة عشرات المحتجزين بأمراض خطيرة، من بينها السرطان، والالتهاب الكبدي، وأمراض الكلى، فضلًا عن انتشار اضطرابات نفسية وأمراض مزمنة ناجمة عن ظروف الاحتجاز القاسية.
حرمان من الزيارات والتريض والتعليم
أفادت المصادر الحقوقية بأن السجناء السياسيين في بدر 3 يُحرمون من الزيارة بالمخالفة للائحة مصلحة السجون، وأن الزيارات المحدودة التي يُسمح بها تُجرى عبر كابينات زجاجية مع مراقبة الحديث هاتفيًا، في انتهاك واضح للخصوصية المكفولة قانونًا.
كما أكدت حرمان المحتجزين من التريض والتعرض لأشعة الشمس، ومنع الطلاب من أداء امتحاناتهم أو الالتحاق بالجامعات، ما فاقم من معاناتهم النفسية والاجتماعية.
إهمال طبي شبه كامل داخل السجن
في ما يتعلق بالرعاية الصحية، قالت المنظمة إن الخدمات الطبية داخل سجن بدر 3 تكاد تكون منعدمة، مشيرة إلى غياب العيادات المؤهلة، وعدم وجود أطباء متخصصين، وخلو الصيدلية من الأدوية الأساسية، خاصة لمرضى الأمراض المزمنة.
وأضافت أن السماح بالتوجه إلى العيادة لا يتجاوز مرة واحدة شهريًا، حتى في الحالات الطارئة، مع غياب أدوات التشخيص الأولية مثل أجهزة قياس الضغط والحرارة، وتعطل التحاليل والأشعة، فضلًا عن سوء معاملة المرضى داخل المركز الطبي.
وفيات بسبب التشخيص المتأخر
وثقت المنظمة حالتي وفاة بارزتين داخل سجن بدر 3، من بينهما وفاة عطا يوسف عبد اللطيف، أستاذ الفيزياء بكلية العلوم جامعة أسيوط، عن عمر 70 عامًا، بعد تدهور حالته الصحية ونقله متأخرًا إلى مستشفى قصر العيني، حيث توفي عقب تشخيص إصابته بورم في مرحلة متقدمة.
كما سبقت ذلك وفاة علاء العزب داخل السجن نفسه، بعد اكتشاف إصابته بورم مماثل في مرحلة متأخرة، بحسب المصادر الحقوقية.
تشديد أمني وإجراءات عقابية جماعية
أشارت المصادر إلى أن هذه الأوضاع تزامنت مع تغييرات إدارية داخل السجن، شملت تقليص فترات التريض، وتشديد القيود على الزيارات، ومنع إدخال الأطعمة أو الرسائل، لا سيما في القطاع الثاني الذي يضم عددًا من قيادات جماعة الإخوان المسلمين.
وأكدت المصادر استمرار هذه السياسات منذ أكثر من 13 عامًا، رغم خوض المعتقلين إضرابات سابقة دون تحقيق أي استجابة لمطالبهم.
احتجاجات وإضراب مفتوح عن الطعام
وفي سياق متصل، أفادت "هيومن رايتس إيجيبت" بدخول المعتقلين في احتجاج سلمي تمثل في تغطية كاميرات المراقبة، وإضراب مفتوح عن الطعام منذ أكثر من 21 يومًا، احتجاجًا على ما وصفوه بانتهاكات جسيمة.
وبحسب المنظمة، لم تلقَ هذه التحركات أي استجابة من إدارة السجن، ممثلة في مأمور السجن العقيد أحمد الخولي، ورئيس المباحث العقيد محمد حسن سوار، بتوجيه من ضابط الأمن الوطني وليد الدهشان، وفق ما نقلته المصادر.
سجن الوادي الجديد
في سجن الوادي الجديد، المعروف إعلاميًا بـ"سجن الموت". كشفت "الشبكة المصرية لحقوق الإنسان" عن رسالة مسرّبة من داخل السجن. تحدث فيها المعتقلون عن تعرضهم لخطر الموت نتيجة البرد القارس والجوع.
وأوضحت الشبكة أن المحتجزين محرومون من الأغطية والملابس الشتوية. رغم الانخفاض الحاد في درجات الحرارة وطبيعة الزنازين غير المجهزة، التي تسمح بدخول الهواء البارد مباشرة.
سياسة تجويع وغياب للرعاية الصحية
أشارت الشبكة إلى أن إدارة السجن تتبع سياسة تجويع ممنهجة. عبر تقديم كميات ضئيلة من الطعام لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية. مع فرض قيود صارمة على إدخال الأطعمة خلال الزيارات.
كما لفتت إلى التفتيش المتكرر، وتجريد المعتقلين من متعلقاتهم الشخصية، وغياب الرعاية الطبية. وافتقار مستشفى السجن إلى أبسط معايير السلامة. إلى جانب تعنت الإدارة في نقل المرضى إلى مستشفيات خارجية بحجة بُعد المسافة.
تحذيرات حقوقية ومطالب بالمحاسبة
في بيان منفصل، أكد "مركز الشهاب لحقوق الإنسان". أن الأوضاع داخل سجن الوادي الجديد ترقى إلى مستوى المعاملة القاسية واللاإنسانية المحظورة دستوريًا ودوليًا.
وحمّل المركز السلطات المصرية المسؤولية القانونية الكاملة عن أي وفيات أو تدهور صحي قد ينتج عن هذه الظروف. مطالبًا بفتح تحقيق مستقل وشفاف، وتمكين المعتقلين من الأغطية والملابس، وتوفير رعاية طبية عاجلة، ووقف ما وصفه بسياسات العقاب الجماعي.
