كشفت بيانات رسمية صادرة عن مجلس الوزراء المصري، الخميس، عن ارتفاع أسعار الأدوية في السوق المحلية بنسبة 42% خلال عام 2025، في واحدة من أكبر الزيادات السنوية التي يشهدها القطاع، وسط تحذيرات من استمرار الضغوط السعرية خلال عام 2026 في ظل التحديات الاقتصادية القائمة.
وقال رئيس هيئة الدواء المصرية، علي الغمراوي، إن إجمالي ما جرى تداوله في السوق بلغ نحو أربعة مليارات عبوة دواء بقيمة 438 مليار جنيه خلال عام 2025، مقارنة بنحو 3.5 مليارات عبوة بقيمة 309 مليارات جنيه في عام 2024، وهو ما يعكس نمواً بنسبة 12% في عدد العبوات، مقابل قفزة حادة بلغت 42% في القيمة المالية.
وجاءت تصريحات الغمراوي خلال اجتماع عقده رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لمتابعة توافر الأدوية والمستلزمات الطبية، وسداد مستحقات شركات الأدوية، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين المعنيين بالملف الصحي والمالي.
الحكومة تطمئن… والسوق يواصل الضغوط
وأكد الغمراوي، خلال الاجتماع، عدم وجود نقص في الأدوية، مشيراً إلى تراجع مظاهر الزحام داخل سلاسل الصيدليات الكبرى، باستثناء فترات صرف العلاج الشهري للمرضى.
كما لفت إلى ارتفاع صادرات المستحضرات والمستلزمات الطبية خلال 2025، واعتبر أن سوق الدواء المصري يعد الأسرع نمواً في الشرق الأوسط.
وفي السياق نفسه، شدد رئيس الوزراء على أن منظومة الدواء تحظى بأولوية قصوى لدى الحكومة، مؤكداً استمرار التنسيق مع وزارة الصحة لضمان توافر أرصدة آمنة من الأدوية، إلى جانب العمل على سداد مستحقات شركات الدواء للحفاظ على استقرار التوريد.
من جانبه، أشار وزير الصحة خالد عبد الغفار إلى أن الوزارة تتابع توافر الأدوية في القطاعين الحكومي والخاص عبر لجنة مختصة، مؤكداً أن الاحتياطيات لا تزال في الحدود الآمنة لمعظم الفئات العلاجية.
خبراء: الزيادات نتيجة تراكم أزمات هيكلية
في المقابل، يرى خبراء في اقتصاديات الصحة أن الأرقام الرسمية، رغم أهميتها، لا تعكس بالكامل واقع الأزمة على الأرض، خاصة فيما يتعلق بالأدوية الحيوية.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور علي عبد الفتاح، أستاذ اقتصاديات الصحة، في تصريحات إعلامية سابقة. إن ارتفاع أسعار الدواء في مصر يرتبط بشكل مباشر بزيادة تكلفة الإنتاج، واعتماد الصناعة على المواد الخام المستوردة. إلى جانب تقلبات سعر الصرف، معتبراً أن “تحرير الأسعار بات خياراً تلجأ إليه الدولة لتجنب اختفاء الدواء. لكنه يحمل عبئاً اجتماعياً كبيراً”.
بدوره، حذر الدكتور أحمد العطار، رئيس شعبة الأدوية السابق باتحاد الغرف التجارية، في تصريحات صحفية. من أن استمرار تأخر سداد مستحقات شركات الأدوية قد يدفع بعض الشركات إلى تقليص الإنتاج أو وقف توريد أصناف بعينها. مؤكداً أن “عام 2026 قد يشهد موجة زيادات جديدة إذا لم تُحل أزمة التمويل وتدبير العملة الصعبة”.
نقص مستمر وأدوية مهربة
وعلى خلاف الرسائل الحكومية المطمئنة، يشير صيادلة ومختصون إلى استمرار نقص عدد من الأصناف المهمة. لا سيما أدوية الأورام والأمراض المزمنة والبيولوجية، وهو ما فتح الباب أمام انتشار الأدوية المهربة والمغشوشة خارج القنوات الرسمية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد عبد السلام، نقيب الصيادلة السابق، في مداخلة إعلامية. إن السوق يشهد “اختلالاً واضحاً بين التسعير الرسمي والواقع الفعلي”. محذراً من أن غياب بعض الأدوية يدفع المرضى إلى السوق السوداء بأسعار مضاعفة، مع مخاطر صحية جسيمة.
2026… زيادات محتملة ما لم تتغير المعادلة
ومع استمرار تراكم مديونيات الهيئة المصرية للشراء الموحد، وهي الجهة المنوط بها تدبير العملة الصعبة وشراء المستلزمات الطبية. يتوقع مراقبون أن تمتد أزمة الدواء إلى عام 2026، سواء في صورة زيادات سعرية جديدة أو استمرار نواقص بعض الأصناف.
ويرى خبراء أن معالجة الأزمة تتطلب حلولاً هيكلية، تشمل تسريع سداد مستحقات الشركات، ودعم التصنيع المحلي. وإعادة النظر في آليات التسعير، بما يوازن بين استدامة الإنتاج وحماية حق المرضى في الحصول على الدواء.
