أُسدل الستار، يوم الجمعة، على أعمال الدورة الـ56 من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية، في ظل أجواء سياسية مشحونة عكست تحولات عميقة في بنية العلاقات الدولية، حيث برزت تباينات حادة في مواقف القادة المشاركين، وتصاعد خطاب القوة والنفوذ على حساب مفاهيم النظام العالمي القائم على القواعد.
وجاءت أعمال المنتدى هذا العام في سياق دولي شديد الاضطراب، إذ تراجعت الثقة في منظومة العمل متعددة الأطراف، وتكاثرت النزاعات الجيوسياسية، كما اتسعت الفجوة بين الحلفاء التقليديين.
وفي هذا الإطار، رأى مراقبون أن دافوس 2026 لم يكن مجرد لقاء اقتصادي سنوي، بل محطة كاشفة لمسار التحولات التي تضرب النظام الدولي منذ سنوات.
من القواعد إلى القوة: تحوّل في خطاب النظام العالمي
خلال جلسات المنتدى، ظهرت ملامح واضحة لتآكل مفهوم “النظام العالمي القائم على القواعد”، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، حيث قدّم عدد من القادة مقاربات جديدة للسيادة والتحالفات تقوم على البراغماتية وموازين القوة، لا على الالتزامات القانونية الدولية.
وفي هذا السياق، أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غرينلاند جدلًا واسعًا، بعدما أكد أن “الاتفاق ما زال قيد التفاوض”، معتبرًا أن واشنطن تسعى إلى “وصول كامل” إلى الجزيرة.
وبذلك، أعاد ترامب طرح السيادة الأوروبية بوصفها ورقة تفاوض سياسي، لا مبدأً ثابتًا تحميه القواعد الدولية.
في المقابل، رفض قادة أوروبيون هذا الطرح صراحة. إذ شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن “ينحني لقانون الأقوى”.
كما أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن سيادة غرينلاند وسلامة حدودها “غير قابلة للتفاوض”، في محاولة للدفاع عن مفهوم السيادة داخل المنظومة الغربية نفسها.
إعادة هندسة للشرعية الدولية؟
ومن جهة أخرى، شكّل إعلان ترامب تدشين ما سماه “مجلس السلام العالمي”، بدءًا من ملف غزة. إحدى أكثر لحظات المنتدى إثارة للجدل.
إذ قدّم الرئيس الأمريكي المبادرة باعتبارها أداة لتثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار. غير أن مضمونها عكس توجّهًا أمريكيًا لتأسيس آليات موازية لإدارة الأزمات خارج إطار الأمم المتحدة.
ورغم ذلك، أبدت عدة عواصم أوروبية تحفظها على الانضمام إلى هذا المجلس. معتبرة أن الخطوة قد تؤدي إلى تهميش مؤسسات الشرعية الدولية. وتحويل مفهوم “السلام” إلى أداة نفوذ سياسي وإداري بيد القوى الكبرى، بدل كونه مسارًا قانونيًا منظّمًا.
أوكرانيا: انكشاف أزمة القيادة الغربية
في الملف الأوكراني، وجّه الرئيس فولوديمير زيلينسكي انتقادات مباشرة إلى القادة الأوروبيين. داعيًا إياهم إلى التحرك بشكل مستقل بدل انتظار الإشارات القادمة من واشنطن.
وبذلك، كشف الخطاب الأوكراني عن عمق الانقسام داخل المعسكر الغربي، وعن أزمة قيادة أوروبية في لحظة مفصلية.
وعلاوة على ذلك، لم يخرج اللقاء الذي جمع ترامب وزيلينسكي على هامش المنتدى بأي نتائج سياسية ملموسة. ما عزز الانطباع بأن الحرب الأوكرانية باتت تُدار وفق حسابات التوازنات الدولية الكبرى، أكثر من ارتباطها المباشر بمبدأ السيادة الوطنية.
فنزويلا… الاقتصاد أولًا والقانون الدولي لاحقًا
وفي السياق ذاته، تناول المنتدى ملف فنزويلا من زاوية اقتصادية بحتة. حيث ركزت النقاشات على سيناريوهات ما بعد الأزمة وإعادة دمج كاراكاس في الاقتصاد العالمي.
في المقابل، تجاهل المتحدثون الجوانب القانونية والسيادية المرتبطة بالتدخلات الخارجية، وهو ما عكس. مرة أخرى، تراجع مركزية القانون الدولي في معالجة الأزمات المعاصرة.
