أعاد بيان حزب التحالف الشعبي الاشتراكي المتضامن مع نادي قضاة مصر فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بمستقبل استقلال القضاء، بعد التحذير من إسناد ملف تعيين وترقية القضاة وأعضاء النيابة العامة إلى الأكاديمية العسكرية، في خطوة إن صحت – بحسب البيان – فإنها تمثل ذروة مسار طويل من عسكرة مؤسسات الدولة.
وبحسب البيان، فإن هذه التطورات – إن ثبتت صحتها – لا تمثل مجرد إجراء إداري عابر، بل تشكّل ذروة مسار طويل من عسكرة مؤسسات الدولة، مسار لم يعد خافيًا على المتابعين للمشهد السياسي والقانوني في مصر.
من الفصل بين السلطات إلى «الإدارة بالأوامر»
وفي هذا السياق، يرى حزب التحالف الشعبي الاشتراكي أن ما يجري حاليًا لا يمكن فصله عن التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2019، إذ منحت رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة في تعيين رؤساء الهيئات القضائية، وهو ما اعتبره قضاة وخبراء قانون تحولًا جوهريًا في فلسفة الحكم، وانتقالًا تدريجيًا من مبدأ الفصل بين السلطات إلى نمط «الإدارة بالأوامر».
ومن هنا، قال المستشار هشام جنينة، الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للمحاسبات، في تصريحات إعلامية سابقة، إن:
«السيطرة على القضاء هي الحلقة الأخيرة في إحكام القبضة على الدولة، لأنها تنزع آخر ضمانة للمواطن»،
وهو تصريح يعكس، بحسب مراقبين، حجم القلق داخل الأوساط القانونية من المسار الحالي.
القضاء ليس استثناءً.. عسكرة شاملة
وفي المقابل، لا يضع معارضو هذه السياسات ما يحدث في القضاء بمعزل عن باقي قطاعات الدولة. فعلى مدار السنوات الماضية، توسّع حضور المؤسسة العسكرية في مجالات متعددة، شملت:
- التعليم: من خلال إدارة مدارس وجامعات وبرامج تأهيل.
- الرياضة: عبر شركات تابعة للقوات المسلحة وإدارة منشآت واتحادات.
- الخطاب الديني: من خلال التدخل في تعيين الأئمة وضبط المنابر.
- الإعلام والاقتصاد: عبر شركات سيادية عابرة للقطاعات.
وفي هذا الإطار، وصف الحقوقي نجاد البرعي هذا المسار، في تصريحات منشورة، بأنه:
«تحويل الدولة إلى ثكنة إدارية، تُدار فيها السياسة بعقلية الأمن لا القانون»،
محذرًا في الوقت ذاته من أن إخضاع القضاء لهذا المنطق يعني فعليًا نهاية العدالة بوصفها سلطة مستقلة.
تعيين القضاة.. خط أحمر دستوري
ومن ناحية أخرى، يؤكد خبراء قانون أن اختيار القضاة يجب أن يظل شأنًا قضائيًا خالصًا، لا يجوز إخضاعه لأي جهة تنفيذية أو عسكرية.
وفي هذا الصدد، قال المحامي الحقوقي خالد علي، في أكثر من حوار صحفي، إن:
«ربط التعيين أو الترقية بأي جهة تنفيذية أو عسكرية ينسف مبدأ القاضي الطبيعي، ويحوّل العدالة إلى وظيفة إدارية».
ويضيف علي أن خطورة الأمر لا تكمن فقط في الجهة التي تختار القضاة، بل في الرسالة السياسية التي تُرسل للقاضي منذ لحظة تعيينه، إذ يصبح من يملك مستقبله المهني قادرًا على التأثير في استقلاله وقراراته.
الحبس الاحتياطي كنموذج للتآكل
وعلاوة على ذلك، يشير بيان التحالف الشعبي إلى التوسع في استخدام الحبس الاحتياطي بحق المعارضين وسجناء الرأي، بوصفه دليلًا عمليًا على تراجع استقلال القضاء.
ويتقاطع هذا الطرح، من جهة أخرى، مع تقييمات منظمات حقوقية وخبراء قضاء، الذين اعتبروا أن القضاء بات في كثير من القضايا جزءًا من منظومة الضبط السياسي، لا سلطة رقابية مستقلة عليها.
وفي هذا السياق، كتب الكاتب والسياسي جمال عيد في مقال منشور أن:
«أخطر ما في عسكرة القضاء ليس القوانين، بل تطبيع القاضي مع الاستثناء، حتى يصبح الظلم إجراءً روتينيًا».
لماذا تحرك نادي القضاة الآن؟
وأخيرًا، يكتسب تحرك نادي قضاة مصر، عبر الدعوة إلى اجتماع طارئ وجمعية عمومية، أهمية استثنائية. كونه – بحسب التحالف الشعبي الاشتراكي – دفاعًا عن دولة القانون، لا عن امتيازات فئوية.
فالقضاء، كما يشدد البيان، ليس ملكًا للقضاة وحدهم، بل هو حق أصيل للمجتمع بأكمله، وضمانة أساسية لأي أفق حقيقي للإصلاح.



