عكست مشاركة عبد الفتاح السيسي في منتدى دافوس هذا العام تحولًا لافتًا في موقع النظام المصري إقليميًا ودوليًا، مقارنة بمشاركته قبل أكثر من عشر سنوات، في تحول اعتبره محللون انتقالًا من مرحلة السعي لاكتساب الشرعية الدولية والخروج من أزمات اقتصادية خانقة، إلى مرحلة تقديم مصر بوصفها شريكًا سياسيًا واقتصاديًا و«صمام أمان» للاستقرار في إقليم مضطرب، أمام عالم غربي أعاد ترتيب أولوياته.
وخلال كلمته في المنتدى، ركّز السيسي على مفهوم «دعم الاستقرار» باعتباره جوهر الدور المصري، مؤكدًا أن سياسة القاهرة القائمة على النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية هي ما يمنحها ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا، في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية عالميًا.
دافوس 2015 ودافوس 2026: اختلاف السياق والدور
ويرى مراقبون أن الفارق بين مشاركتي السيسي في دافوس لا يكمن فقط في مضمون الخطاب، بل في السياق الدولي المحيط به.
ففي مشاركته الأولى، جاء الخطاب المصري في ظل تشكيك غربي واسع في شرعية النظام الجديد بعد 2013، وضغوط مكثفة تتعلق بحقوق الإنسان والحريات العامة، إلى جانب أزمة اقتصادية حادة.
أما اليوم، فيقدّم النظام نفسه، وفق محللين، من موقع الطرف الذي يعرض خدماته السياسية والأمنية في إقليم مضطرب، مستفيدًا من تراجع أولوية الملف الحقوقي في حسابات القوى الغربية.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور عمرو الشوبكي، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في تصريحات إعلامية سابقة، إن “العلاقة بين الغرب والنظام المصري لم تعد تُدار بمنطق القيم، بل بمنطق المصالح والأدوار الوظيفية”، مشيرًا إلى أن “الاستقرار بات العملة السياسية الأكثر طلبًا في المنطقة”.
الاستقرار بدل الإصلاح… معادلة الغرب الجديدة
ويؤكد محللون أن خطاب السيسي في دافوس انسجم مع تحوّل أوسع في الرؤية الغربية تجاه الشرق الأوسط. حيث لم يعد يُنظر إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان كمدخل للاستقرار، بل بات الاستقرار ذاته هدفًا مستقلًا. حتى وإن جاء على حساب تلك القيم.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور خالد داوود، الكاتب والمحلل السياسي. أن “الأنظمة التي تقدم نفسها كحواجز صدّ أمام الفوضى والهجرة والإرهاب تحظى اليوم بقبول غربي أكبر. بغض النظر عن سجلها الحقوقي”، مضيفًا في تصريحات صحفية أن “مصر تسوّق نفسها في هذا الإطار بوضوح”.
ويشير داوود إلى أن خطاب السيسي لم يكن موجّهًا للداخل. بقدر ما كان موجهًا لشركاء دوليين يبحثون عن شركاء مستقرين في منطقة شديدة الاضطراب.
غزة بوصفها ورقة الدور الإقليمي
وبرز ملف غزة كأحد أبرز أدوات هذا الخطاب، حيث شدد السيسي على الدور التاريخي لمصر في دعم القضية الفلسطينية. وعلى مساهمتها في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، والدفع نحو إعادة الإعمار.
ويرى الباحث طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية. أن “القضية الفلسطينية تمثل إحدى أوراق القوة الأساسية التي توظفها القاهرة لإبراز أهميتها الإقليمية”. موضحًا في تصريحات إعلامية أن “مصر تقدم نفسها كوسيط لا غنى عنه. وهو ما يمنحها مساحة حركة أوسع مع القوى الكبرى”.
غير أن فهمي أشار في الوقت نفسه إلى أن هذا الدور يتم تقديمه في إطار إدارة الأزمات. لا في إطار تغيير جذري لمساراتها السياسية.
تراجع ملف حقوق الإنسان عن الطاولة
ولفت محللون إلى أن اللافت في مشاركة السيسي الأخيرة هو الغياب شبه الكامل لأي إشارات غربية علنية إلى ملف حقوق الإنسان. مقارنة بالسنوات السابقة.
وفي هذا الصدد، قال الباحث الحقوقي جمال عيد، في تعليق إعلامي سابق. إن “الغرب لم يعد يملك رفاهية الضغط الحقوقي في ظل الحروب والأزمات العالمية”. معتبرًا أن “الاستقرار بات أولوية تتقدم على أي حديث عن الإصلاح السياسي”.



