يثير الاستقرار النسبي لسعر صرف الجنيه المصري خلال الشهور الأخيرة جدلًا متزايدًا في الأوساط الاقتصادية، خاصة مع استمرار الضغوط الخارجية وتراجع التدفقات الدولارية عالميًا.
وفي هذا الإطار، تتباين التفسيرات بين من يراه انعكاسًا لتحسن المؤشرات النقدية، ومن يعتبره نتيجة تدخل منظم للدولة لإدارة السوق بعيدًا عن التعويم الكامل.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إن سعر صرف الجنيه يرتبط أساسًا بحركة أسعار الفائدة العالمية والعوامل الخارجية المؤثرة، نافيًا حدوث تحركات حادة في قيمة العملة خلال الفترة القريبة.
وأكد، في تصريحات تلفزيونية، أن الاستقرار الحالي يعكس إدارة محسوبة من البنك المركزي، متوقعًا تحرك السعر داخل هامش لا يتجاوز 5% صعودًا أو هبوطًا في ظل الظروف العالمية الراهنة.
بين التعويم المُعلن والإدارة الفعلية للسوق
ورغم إعلان السلطات التزامها بنظام سعر صرف مرن، إلا أن استمرار الاستقرار يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة هذا التعويم.
فبينما يؤكد مسؤولون أن السوق يعمل وفق آليات العرض والطلب، يرى محللون أن الدولة لا تزال تلعب دورًا نشطًا في توجيه حركة السعر.
وفي هذا الإطار، قال هاني جنينة، رئيس قسم البحوث في إحدى شركات الاستثمار، في تصريحات سابقة لوسائل إعلام محلية، إن مصر لا تطبق تعويمًا حرًا بالكامل، بل تتبع نموذج “التعويم المُدار”، حيث يسمح البنك المركزي بتحركات محدودة للجنيه دون تركه لتقلبات حادة قد تؤثر على التضخم والاستقرار الاجتماعي.
ومن جهته، أوضح محمد أبو باشا، كبير الاقتصاديين في أحد بنوك الاستثمار. أن استقرار سعر الصرف لا يعني بالضرورة قوة العملة، بل قد يعكس استخدام أدوات نقدية مكلفة. على رأسها أسعار الفائدة المرتفعة، للحفاظ على جاذبية الجنيه أمام المستثمرين الأجانب.
الفائدة الإيجابية وسلاح جذب الأموال الساخنة
وفي هذا السياق، أشار محمد فؤاد إلى أن الدولة تعتمد على ما يُعرف بـ“الفائدة الإيجابية” كأداة رئيسية لجذب رؤوس الأموال. لافتًا إلى أن تراجع أسعار الفائدة عالميًا قد يساهم في عودة التدفقات النقدية إلى الأسواق الناشئة، ومنها مصر.
ومع ذلك، حذّر اقتصاديون من الاعتماد المفرط على هذه الآلية. إذ أكد هاني جنينة، في أكثر من مناسبة إعلامية. أن الأموال الساخنة تظل شديدة الحساسية لأي تغيرات خارجية، وأن تجربة عام 2022 كشفت هشاشة هذا النموذج. بعدما خرجت استثمارات ضخمة مع أول موجة تشديد نقدي عالمي.
استقرار هش أم مرحلة انتقالية؟
من ناحية أخرى، يرى بعض المحللين أن الاستقرار الحالي قد يكون مرحلة انتقالية تهدف إلى امتصاص الصدمات، وليس وضعًا دائمًا.
وفي هذا السياق، قال أبو باشا إن الحفاظ على سعر صرف مستقر يتطلب تدفقات دولارية مستدامة من التصدير والاستثمار المباشر. وليس فقط أدوات نقدية قصيرة الأجل.
وفيما يتعلق بالدين العام، ربط خبراء بين ملف الاستقرار النقدي وقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات مالية حقيقية.
إذ شدد محمد فؤاد على أن الأزمة لا تكمن في غياب الخطط، بل في ضعف التنفيذ. مؤكدًا أن تعظيم الإيرادات ودمج الموازنات يظل شرطًا أساسيًا لتخفيف الضغوط على العملة.
