القاهرة بين الرياض وأبوظبي: موازنة الضرورة الاقتصادية ومخاطر الانحياز السياسي
يتناول تقرير أعدّه هيثم حسنين، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الاستراتيجية التي تعتمدها القاهرة لإدارة التنافس المتصاعد بين السعودية والإمارات، في ظل ضغوط اقتصادية خانقة وتشابكات أمنية إقليمية تجعل أي انحياز صريح خيارًا عالي الكلفة.
ويرى التقرير أن مصر تتحرك وفق سياسة «التجزئة المحسوبة»، التي تقوم على توزيع ملفات التعاون بين الطرفين الخليجيين بما يضمن استمرار تدفق الدعم المالي، ويحافظ في الوقت ذاته على هامش من الاستقلال في القضايا التي تمس الأمن القومي المصري.
الاقتصاد أولًا: الإمارات للسيولة والسعودية للاستدامة
يؤكد التقرير أن العامل الاقتصادي يشكّل المحدد الأهم في سلوك القاهرة، إذ تعتمد مصر على الإمارات كمصدر رئيسي للسيولة السريعة والاستثمارات الضخمة، كما ظهر في صفقة رأس الحكمة، التي أسهمت في دعم احتياطي النقد الأجنبي واستقرار الجنيه.
في المقابل، يصف التقرير الدور السعودي بأنه أكثر مؤسسية واستدامة، عبر الودائع طويلة الأجل، وإمدادات الطاقة، وتحويلات ملايين العمال المصريين، وهو ما يدفع القاهرة إلى تجنب المفاضلة الحادة بين النموذجين، والسعي بدلًا من ذلك إلى تنويع المخاطر ومنع الارتهان لممول واحد.
أصول استراتيجية وخطوط حمراء غير قابلة للتفريط
يشير التقرير إلى أن مصر تُبدي مرونة كبيرة في فتح قطاعات اقتصادية حيوية أمام الاستثمارات الخليجية، لكنها ترفض التفريط في السيطرة الكاملة على أصول استراتيجية، خاصة المرتبطة بقناة السويس والموانئ الرئيسية.
ويضرب التقرير مثالًا بمفاوضات إدارة الموانئ، حيث سمحت القاهرة بتوسّع الاستثمارات الإماراتية، لكنها أوقفت أي مسار يؤدي إلى سيطرة شبه كاملة على أصول تمس الأمن القومي وحركة التجارة الدولية.
السودان ساحة التباعد الأخطر بين القاهرة وأبوظبي
يصف التقرير الملف السوداني بأنه نقطة التوتر الأشد في العلاقة المصرية–الإماراتية، إذ تميل القاهرة إلى دعم الجيش السوداني باعتباره الضامن لوحدة الدولة وحماية الحدود الجنوبية ومصالح مصر المائية.
في المقابل، يلفت التقرير إلى أن الدعم الإقليمي لقوات الدعم السريع يثير قلقًا مصريًا متزايدًا. لما يحمله من مخاطر تفكيك الدولة السودانية وخلق واقع أمني غير منضبط على حدود مصر. وهو ما يدفع القاهرة إلى التنسيق الوثيق مع السعودية بدل المواجهة المباشرة مع أبوظبي.
البحر الأحمر واليمن: تقارب مصري سعودي
يرى التقرير أن القاهرة تتقاطع بدرجة أكبر مع الرؤية السعودية في ملفات البحر الأحمر واليمن. خاصة في ما يتعلق بأمن الملاحة وحماية الممرات الاستراتيجية، وعلى رأسها قناة السويس.
كما يبدي التقرير تحفّظ مصر على نماذج النفوذ القائمة على الوكلاء المحليين والموانئ المعزولة عن سلطة الدولة. محذرًا من أن هذا النهج قد يحوّل البحر الأحمر إلى ساحة صراعات مفتوحة تهدد المصالح المصرية طويلة الأمد.
هل تُجبر القاهرة على الاختيار؟
يخلص تقرير هيثم حسنين إلى أن مصر ما زالت قادرة على تأجيل لحظة الاختيار بين الرياض وأبوظبي. مستفيدة من حاجة الطرفين إلى استقرارها. لكن تصعيدًا حادًا أو قطيعة خليجية شاملة قد يفرض على القاهرة انحيازًا اضطراريًا. تميل فيه كفة المؤسسات المصرية تقليديًا نحو السعودية، بينما قد تعقّد العلاقات الشخصية مع القيادة الإماراتية هذا السيناريو.
ويحذر التقرير من أن استمرار الضغوط الاقتصادية سيقلّص تدريجيًا هامش المناورة المصري. ما يجعل إدارة هذا التوازن الدقيق تحديًا استراتيجيًا مفتوحًا في السنوات المقبلة.



