في وقت تؤكد فيه الحكومة المصرية أن صناعة الدواء تمثل «ركيزة استراتيجية للأمن القومي»، تعود أزمة أسعار الدواء إلى الواجهة مجددًا، بعد مطالبة شركات الأدوية المحلية بزيادة أسعار نحو ألف مستحضر دوائي بنسبة 10%، في ظل ما تصفه بارتفاع مستمر في تكاليف الإنتاج، رغم تحسن سعر صرف الجنيه مؤخرًا.
مطالب الشركات: تسعير جامد وتكاليف متحركة
قال علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية، في تصريحات صحفية، إن شركات الأدوية تعاني من «اختناق مالي حقيقي» نتيجة استمرار نظام التسعير الإجباري، الذي لا يواكب الارتفاع في تكاليف الطاقة والأجور والمرافق والخدمات اللوجستية.
وأوضح عوف أن تحسن سعر الصرف وحده لا يكفي لمعالجة الأزمة، مشيرًا إلى أن «غياب آلية تسعير مرنة تراعي التضخم في عناصر التكلفة غير المرتبطة بالدولار، يضعف قدرة الشركات على تأمين المواد الخام، ويحد من قدرتها على التوسع أو زيادة الصادرات».
الدواء كأمن قومي لا سلعة استهلاكية
في المقابل، يحذّر متخصصون في المجال الطبي من التعامل مع الدواء بمنطق السوق فقط، في بلد يعاني فيه قطاع واسع من المواطنين من الفقر وغياب بدائل علاجية حقيقية.
الدكتور جمال شعبان، العميد السابق لمعهد القلب القومي، سبق أن أكد في مداخلات إعلامية متكررة أن «الدواء ليس سلعة رفاهية يمكن الاستغناء عنها»، معتبرًا أن أي زيادة غير منضبطة في الأسعار «تمس الحق في الحياة مباشرة»، خاصة لمرضى القلب والأمراض المزمنة.
وأضاف شعبان أن «المريض الفقير لا يملك خيار المقاطعة أو الانتظار، بل يضطر لشراء الدواء بأي ثمن، حتى لو كان على حساب غذائه أو احتياجات أسرته الأساسية».
تحذيرات من انعكاسات اجتماعية خطيرة
من جانبه، حذّر الدكتور محمد عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الصحية والوقائية، في تصريحات إعلامية سابقة، من أن اضطراب سوق الدواء أو عدم توافر المستحضرات الأساسية «يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الصحي القومي»، مؤكدًا أن الدولة مطالبة دائمًا بالموازنة بين استدامة الصناعة وضمان وصول الدواء للمواطن بسعر مناسب.
وأشار تاج الدين إلى أن «أي سياسات تسعيرية يجب أن تراعي البعد الاجتماعي. خاصة في دولة تعتمد فيها شريحة كبيرة من المرضى على العلاج المستمر».
أزمة ممتدة لا تُحل بالزيادات فقط
ويرى خبراء اقتصاد صحي أن المشكلة أعمق من مجرد رفع أسعار. ففي هذا السياق، قال الدكتور أحمد عبد ربه. أستاذ الاقتصاد الصحي. في تصريحات صحفية سابقة، إن «أزمة الدواء في مصر هي نتيجة تراكمية لسنوات من ضعف الإنفاق العام على الصحة. واعتماد الدولة على القطاع الخاص لسد الفجوات».
وأوضح أن تحميل المواطن تكلفة الاختلالات الهيكلية في منظومة الدواء «سيؤدي إلى نتائج اجتماعية وصحية خطيرة». داعيًا إلى دعم مباشر للأدوية الحيوية، بدل تمرير الأعباء إلى المستهلك النهائي.
استثمارات ضخمة… وأثر محدود على المواطن؟
رغم إعلان الحكومة تخصيص 4 ملايين متر مربع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لجذب استثمارات دوائية استراتيجية. ضمن خطط توطين الصناعة، يرى منتقدون أن هذه الاستثمارات «لن تنعكس تلقائيًا على أسعار الدواء داخل السوق المحلي». ما لم تُربط بسياسات واضحة للتسعير والدعم.
وفي هذا الإطار، يؤكد علي عوف أن الدولة بدأت بالفعل في تسوية جزء من مديونياتها لشركات الدواء. حيث تم ضخ نحو 20 مليار جنيه حتى الآن من أصل مديونية بلغت 43 مليار جنيه. معتبرًا ذلك «خطوة إيجابية لكنها غير كافية لضمان استقرار السوق».
