بيان مجلس القضاء الأعلى.. بين امتصاص الغضب وضمان الولاء للسيسي

أثار بيان مجلس القضاء الأعلى الأخير، الصادر عقب اجتماع موسّع ضم قيادات قضائية ورؤساء أندية القضاة، موجة من التساؤلات داخل الأوساط القانونية والسياسية، لا سيما أنه جاء في توقيت حساس تزايدت فيه الانتقادات داخل الوسط القضائي بشأن آليات تعيين أعضاء النيابة العامة، ودور السلطة التنفيذية في هذا الملف.

البيان شدد على أن مجلس القضاء الأعلى هو الجهة المختصة حصريًا بتعيين القضاة وأعضاء النيابة العامة وترقياتهم، «وفقًا للدستور والقانون والمواثيق الدولية»، لكنه في الوقت ذاته ربط هذا الاختصاص صراحة بـ«توجهات عبد الفتاح السيسي»، رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية.

تهدئة غضب أم احتواء أزمة؟

يرى مراقبون أن البيان يحمل طابعًا تهدويًا واضحًا، ويستهدف احتواء حالة تململ داخل أوساط القضاة، بعد تصاعد الحديث عن معايير غير شفافة في التعيينات، وتدخلات محتملة تتجاوز الأطر القضائية التقليدية.

ويعزز هذا التفسير إعلان الحاضرين في الاجتماع الموافقة على تعليق الدعوة لعقد جمعية عمومية غير عادية للقضاة، وهي خطوة فسّرها قانونيون بأنها محاولة لوقف أي تصعيد جماعي قد يعيد إلى الأذهان توترات سابقة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية.

استقلال القضاء أم إعادة صياغته؟

رغم تأكيد البيان على استقلال مجلس القضاء الأعلى، إلا أن الربط المباشر بين قرارات التعيين وبين «توجهات الرئيس» يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود هذا الاستقلال، خاصة في ظل توسع نفوذ المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية في المجالين السياسي والإداري خلال السنوات الأخيرة.

ويرى منتقدون أن الإشارة المتكررة إلى دعم القضاة للرئيس «سندًا وظهرًا» تتجاوز الإطار المؤسسي. وتنقل القضاء من موقع الحكم المحايد إلى موقع الشريك السياسي. وهو ما يتعارض — وفق هذا الرأي — مع الفلسفة الدستورية القائمة على الفصل بين السلطات.

عسكرة الدولة وسؤال القضاء

في هذا السياق الأوسع، يُقرأ البيان ضمن نقاش متجدد حول ما يصفه معارضون بـ«عسكرة الدولة». أي تمدد نفوذ المؤسسة العسكرية في قطاعات مدنية. من الاقتصاد إلى الإعلام، وصولًا إلى التأثير غير المباشر في السلطة القضائية.

ويرى قانونيون. أن ضمان ولاء القضاة عبر التحكم في بوابة التعيين والترقية يمثل أحد المفاتيح الأساسية لإحكام السيطرة على المجال العام. خاصة في دولة تُدار فيها الملفات السياسية والأمنية الحساسة من خلال منظومة حكم يغلب عليها الطابع العسكري.

ولا يعني هذا — وفق محللين — وجود تدخل مباشر في كل قرار قضائي. بقدر ما يعكس سعيًا لبناء منظومة قضائية «منسجمة سياسيًا» مع توجهات الحكم. وقادرة على تمرير القوانين والقرارات الكبرى دون صدام مؤسسي.

Exit mobile version