"هليوبوليس الجديدة". مستشفيات مصر بين الاستثمار الأجنبي والحق في العلاج
في خطوة تعكس بوضوح توسع الحكومة في فتح القطاع الصحي أمام الشراكات الأجنبية، أعلن وزير الصحة والسكان، الدكتور خالد عبد الغفار، بدء التواصل مع مجموعة مستشفيات «سان دوناتو» الإيطالية، وذلك بهدف بحث توليها إدارة وتشغيل مستشفى هليوبوليس الجديدة، في إطار ما وصفه بـ«توجيهات رئاسية لتعزيز الشراكات العالمية البناءة في المجال الصحي».
ويأتي هذا الإعلان بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي لموقع إنشاء المستشفى، الذي تنفذه وزارة الصحة بالتعاون مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، حيث من المقرر افتتاحه في يناير 2027، بتكلفة إنشائية تقترب من 3.5 مليار جنيه.
وفي السياق ذاته، لا يُعد هذا التوجه معزولًا، إذ سبق أن وافقت الحكومة على إسناد إدارة عدد من المستشفيات العامة إلى مؤسسة «إيني فاونديشن» التابعة لشركة إيني الإيطالية، بالشراكة مع «سان دوناتو»، وهي خطوة اعتبرها مراقبون امتدادًا لسياسة أوسع تتبناها الدولة في إدارة المرافق الصحية.
توسع استثماري أم خصخصة مقنّعة؟
ووفقًا لبيان رسمي صادر عن مجلس الوزراء، كشف وزير الصحة عن طرح 63 فرصة استثمارية تشمل تطوير وتشغيل مستشفيات قائمة، إضافة إلى إدارة مستشفيات جديدة تنشئها الدولة، فضلًا عن تخصيص أراضٍ بتسهيلات وحوافز لإنشاء منشآت طبية، إلى جانب ما وُصف بـ«فرص إدارة الأصول».
غير أن هذا التوسع يفتح مجددًا النقاش حول حدود الشراكة مع القطاع الخاص والأجنبي، وبخاصة الفارق بين تحسين كفاءة الإدارة من ناحية، وبين ما يراه منتقدون خصخصة تدريجية للقطاع الصحي العام من ناحية أخرى.
العدالة الصحية في خطر
وفي هذا الإطار، حذّر الدكتور حسين خيري، نقيب الأطباء السابق، في تصريحات صحفية سابقة، من أن نقل إدارة المستشفيات العامة إلى كيانات استثمارية، حتى وإن لم يصاحبه بيع رسمي للأصول، قد يؤدي إلى تراجع قدرة المواطنين محدودي الدخل على الحصول على خدمة صحية عادلة.
كما أكد خيري أن المشكلة الأساسية في القطاع الصحي المصري «لا تتعلق بالإدارة فقط، بل بضعف الإنفاق الحكومي على الصحة. وهجرة الكوادر الطبية، وتدهور بيئة العمل». معتبرًا أن الحل الحقيقي يبدأ من رفع مخصصات الصحة وتطوير المستشفيات العامة بوصفها خدمة وحقًا دستوريًا. لا مجرد فرصة استثمارية.
رؤية اقتصادية
من ناحية أخرى، يرى الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية. في تصريحات إعلامية. أن توجه الدولة نحو الشراكة مع مؤسسات أجنبية في إدارة المستشفيات يهدف بالأساس إلى تخفيف العبء المالي عن الموازنة العامة. إلى جانب تحسين الكفاءة التشغيلية.
إلا أنه، في المقابل. يشير إلى أن هذه الشراكات «تصبح إشكالية حين لا تُقيد بضوابط صارمة تضمن استمرار تقديم الخدمة بأسعار مناسبة. وكذلك عدم تحول المستشفيات العامة إلى كيانات نخبوية لا تخدم سوى القادرين».
موقف مؤيد
وفي المقابل، دافع الدكتور خالد سمير، أستاذ أمراض القلب ومستشار وزير الصحة السابق، في أكثر من مداخلة إعلامية. عن فكرة الاستعانة بإدارة أجنبية للمستشفيات، معتبرًا أن هذه الخطوة «لا تعني الخصخصة بالضرورة». بل قد تسهم في نقل نظم إدارة حديثة، ورفع جودة الخدمة، وتحسين الانضباط داخل المستشفيات.
وشدد في هذا السياق على أن الفيصل الحقيقي يظل «العقد المبرم مع الجهة المديرة، ومدى التزام الدولة برقابة الأسعار. وضمان استمرار سياسات العلاج المجاني».



