الأكاديمية العسكرية تُعيد تثبيت مشروع السيسي بعد أزمة القضاة

جاءت زيارة عبد الفتاح السيسي إلى الأكاديمية العسكرية ، وكلمته المطولة أمام الطلبة والدورات المدنية، في توقيت سياسي شديد الحساسية، أعقب مباشرة تراجعه عن قرار إسناد تعيين القضاة للأكاديمية العسكرية، بعد تصعيد غير مسبوق من عموم قضاة مصر ورفض قاطع داخل الأوساط القضائية.

ورغم هذا التراجع، حملت كلمات السيسي ورسائله خلال الزيارة دلالات واضحة تؤكد أن القرار لم يكن تحولًا في الرؤية، بل تراجعًا تكتيكيًا فرضته موازين القوة، بينما يظل مشروع “إعادة تشكيل الدولة على النموذج العسكري” قائمًا وبوضوح.

الأكاديمية العسكرية: من مؤسسة تدريب إلى مشروع دولة

في كلمته، قال السيسي صراحة إن «جوهر الفكرة من وراء الأكاديمية العسكرية المصرية هو عمل برنامج للتطوير والتحديث والتغيير في مؤسساتنا»، معتبرًا أن التطوير “نقد ذاتي للمسار” وأن الجمود يعني التراجع والتخلف.

لكن اللافت أن هذا “التطوير” – وفق تعريف الرئيس – لا يقتصر على المؤسسة العسكرية، بل يمتد صراحة إلى الوزارات والهيئات المدنية، حيث رحّب السيسي بدورات قادمة من وزارات الري، والمالية، والأوقاف، والنقل، والخارجية، إضافة إلى المعلمين، بل والقضاة في الأيام القليلة القادمة، وهي عبارة لا يمكن فصلها عن أزمة التعيينات القضائية الأخيرة.

بهذا المعنى، لا تقدم الأكاديمية نفسها كمؤسسة تعليمية فقط، بل كـمسار موحّد لإعادة تشكيل النخب الإدارية والقضائية والمدنية وفق معايير مركزية، تُصاغ داخل بنية عسكرية.

الجدارة كما يراها الرئيس: مسار واحد ومعايير واحدة

السيسي شدد في كلمته على أن الأكاديمية تهدف إلى “وضع معايير للانتقاء والاختيار تنطبق على كل مؤسسة من مؤسسات الدولة”، مؤكدًا أن الهدف هو “تحقيق الجدارة وليس الاستقطاب أو التمييز”.

لكن هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية:
من يضع هذه المعايير؟
ومن يملك سلطة التقييم؟
وهل يمكن الحديث عن “تحييد العامل البشري” بينما تُدار العملية كاملة داخل مؤسسة تخضع للسلطة التنفيذية؟

حين يقول السيسي:

«عملنا هذه الدورات لضمان وجود مسار واحد لبناء الشخصية وضمان الجدارة في التعليم والتقييم»،

فإنه يقرّ بوضوح بفكرة المسار الواحد، وهي فكرة تتناقض مع تنوع السلطات واستقلالها، خاصة في ما يتعلق بالقضاء. الذي قام غضبه الأخير تحديدًا على رفض إخضاعه لمسار تدريبي أو معياري خارج بنيته الدستورية.

دلالات التوقيت: رسالة احتواء لا تراجع فكري

توقيت الزيارة لا يقل دلالة عن مضمونها. فبعد أيام من أزمة كادت تتحول إلى صدام مفتوح مع السلطة القضائية. اختار السيسي الذهاب إلى ملاذه السياسي الدائم: الأكاديمية العسكرية. ليعيد من خلالها تثبيت روايته عن الدولة، والانضباط، والجدارة، والمسار الواحد.

الرسالة هنا مزدوجة:

  • إلى الداخل القضائي: التراجع عن قرار التعيينات لا يعني التخلي عن الرؤية.
  • إلى مؤسسات الدولة: الأكاديمية ما زالت المرجعية المركزية لإعادة البناء.

عسكرة ناعمة بدل المواجهة المباشرة

ما تكشفه تصريحات السيسي. هو انتقال من العسكرة الصدامية إلى العسكرة الناعمة:
ليس بفرض القرارات دفعة واحدة. بل عبر التراكم التدريجي للدورات، والمعايير، وبرامج “بناء الشخصية”. حتى تصبح الأكاديمية العسكرية بوابة غير رسمية – لكنها حاسمة – للترقي والقبول داخل مؤسسات الدولة.

وبذلك، يمكن قراءة التراجع عن قرار تعيين القضاة ليس كهزيمة سياسية. بل كإعادة تموضع مؤقتة، تُدار بعدها المعركة بأدوات أهدأ وأكثر مرونة.

اقرأ أيضا

كل الطرق تؤدي إلى الأكاديمية العسكرية: لماذا يعود السيسي دائمًا إلى هناك؟

Exit mobile version