أُسدل الستار على فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير، محققًا رقمًا قياسيًا غير مسبوق في عدد الزوار، بلغ 6 ملايين و200 ألف و849 زائرًا، في واحدة من أكثر الدورات ازدحامًا منذ انطلاق المعرض قبل أكثر من نصف قرن.
وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو وصف هذه الدورة بأنها «استثنائية على كل المستويات»، سواء من حيث حجم المشاركة، أو تنوع الفعاليات الثقافية والفكرية، أو الإقبال الجماهيري اللافت، مؤكدًا أن المعرض نجح في ترسيخ مكانته كأحد أكبر الفعاليات الثقافية في العالم العربي، ومنصة دولية للحوار الثقافي ودعم صناعة النشر.
مؤشر ثقافي لافت
الحضور الكثيف، خاصة من الشباب والأسر، لفت انتباه المتابعين والناشرين، وطرح تساؤلًا مهمًا حول ما إذا كان هذا الإقبال يعكس تحولًا حقيقيًا في علاقة الجيل الجديد بالكتاب، أم أنه مجرد حدث موسمي مرتبط بطبيعة المعرض كفعالية ترفيهية وثقافية جامعة.
عدد من الناشرين المشاركين أشاروا في تصريحات إعلامية إلى ارتفاع مبيعات كتب الفكر المعاصر، والتنمية، والرواية، وكتب الأطفال، مؤكدين أن شريحة واسعة من الزوار جاءت بدافع الشراء الفعلي وليس التنزه فقط، وهو ما اعتبروه مؤشرًا إيجابيًا على استمرار الرغبة في القراءة رغم هيمنة المحتوى السريع ووسائل التواصل الاجتماعي.
بين الكتاب و"التريند".. معركة الوعي مستمرة
في المقابل، يرى متخصصون في الشأن الثقافي أن نجاح دورة واحدة، مهما بلغت أرقامها، لا يكفي وحده للحكم على استعادة الكتاب لدوره المركزي في حياة الشباب، في ظل منافسة شرسة من السوشيال ميديا ومنصات المحتوى السريع التي تقدم المعرفة في شكل مختزل وسريع الاستهلاك.
ويرى هؤلاء أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم معرض ناجح فقط. بل في البناء على هذا الزخم عبر سياسات مستدامة لدعم القراءة، تبدأ من المدارس والجامعات. مرورًا بالمكتبات العامة، ووصولًا إلى دعم صناعة النشر وتسهيل وصول الكتاب بأسعار مناسبة.
هل يمكن إنقاذ الجيل من هيمنة الشاشة؟
اللافت في دورة هذا العام أن كثيرًا من الشباب حضروا المعرض بدافع البحث عن هوية فكرية وثقافية. في وقت تتراجع فيه الثقة في المحتوى العابر و"التريند". وهو ما يفتح باب التساؤل:
هل يمثل هذا الإقبال بداية استعادة الوعي الثقافي؟ أم أنه مجرد استثناء في زمن تحكمه الخوارزميات؟
الإجابة، وفق مراقبين، تتوقف على ما إذا كانت المؤسسات الثقافية ستتعامل مع المعرض باعتباره نقطة انطلاق وليس محطة ختام. من خلال برامج تشجع القراءة طوال العام، وتربط الكتاب بالواقع، وتنافس السوشيال ميديا بلغتها دون التفريط في العمق.
رهان الثقافة في زمن العولمة
نجاح الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب أعاد طرح سؤال قديم متجدد:
هل ما زال الكتاب قادرًا على تشكيل وعي الأجيال الجديدة؟
الأرقام تعطي أملًا، لكن تحويل هذا الأمل إلى واقع مستدام يتطلب إرادة ثقافية. ورؤية طويلة المدى، تعي أن معركة الوعي لا تُحسم في معرض واحد، بل في مشروع ثقافي متكامل.



