أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الدولة نجحت خلال الفترة الماضية في ترسيخ استقرار الاقتصاد الكلي، والقضاء “تمامًا” على السوق السوداء للدولار، مع تعزيز مرونة سعر الصرف، وخفض معدلات التضخم والفائدة، واستعادة مسار النمو.
يأتي ذلك في وقت تؤكد فيه الحكومة تحقيق اختراقات ملموسة على صعيد الإصلاح الاقتصادي، تثار تساؤلات واسعة حول مدى انعكاس هذه التصريحات على الواقع الفعلي لسوق النقد والإنتاج والاستثمار، خاصة في ظل استمرار الضغوط المعيشية التي يشعر بها المواطن.
الدولار… استقرار رسمي أم هدوء مؤقت؟
من الناحية الرسمية، تراجع الحديث عن سوق موازية نشطة للدولار مقارنة بفترات سابقة، خاصة بعد تحرير سعر الصرف في مارس 2024، وتدفقات سيولة أجنبية مرتبطة باتفاقات تمويل واستثمار خليجية ودولية.
غير أن خبراء اقتصاديين يرون أن اختفاء السوق السوداء لا يعني بالضرورة تعافيًا كاملًا، بل يعكس في جانب منه حالة من الانكماش في الطلب، وتباطؤ الاستيراد، إلى جانب الرقابة المشددة على حركة النقد، وهو ما يحدّ من ظهور سعر موازٍ نشط.
ويشير هؤلاء إلى أن سعر الدولار مستقر إداريًا أكثر منه إنتاجيًا، بمعنى أن الاستقرار لا يستند بعد إلى طفرة واضحة في موارد العملة الصعبة من الصناعة أو التصدير، بقدر ما يعتمد على تدفقات استثنائية وتمويلات خارجية.
تضخم أقل… لكن الأسعار لا تعود للخلف
وتقول الحكومة إن معدلات التضخم بدأت في التراجع، وهو ما تؤكده بيانات رسمية نسبيًا، إلا أن ذلك لم ينعكس حتى الآن على انخفاض فعلي في أسعار السلع والخدمات، حيث ما زالت مستويات الأسعار مرتفعة مقارنة بدخول المواطنين.
ويفسر اقتصاديون هذا التباين بأن التضخم قد يهدأ رقميًا، لكن الأسعار تظل عند ذروتها، خاصة في ظل ضعف القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، واعتماد قطاعات واسعة على مدخلات مستوردة لا تزال تُسعَّر بالدولار.
التحول الهيكلي… طموح مشروع أم مسار طويل؟
يشير مدبولي إلى حدوث “تحول هيكلي” في مصادر النمو، مع الاعتماد بشكل أكبر على الصناعة، والاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، والتصدير، والسياحة.
وبينما تسجل هذه القطاعات بالفعل معدلات نمو أعلى من المتوسط، يرى مراقبون أن هذا التحول لا يزال في مرحلة التأسيس، ولم يصل بعد إلى مستوى قادر على امتصاص البطالة، أو تقليل الاعتماد على الواردات، أو تحقيق اكتفاء إنتاجي واسع.
فالصناعة، على سبيل المثال، ما زالت تواجه تحديات تتعلق بتكلفة التمويل، وتذبذب مدخلات الإنتاج، والبيروقراطية، بينما لم تصل الصادرات إلى قفزات نوعية تتناسب مع الحديث عن تغيير جذري في هيكل الاقتصاد.
الشركات الناشئة… رهان على المستقبل لا الحاضر
ويأتي إطلاق “ميثاق الشركات الناشئة” الأول في مصر في إطار سعي الحكومة لخلق بيئة داعمة لريادة الأعمال والابتكار. وهو توجه يحظى بإشادة واسعة من مجتمع الأعمال.
إلا أن مختصين يشددون على أن الشركات الناشئة لا يمكنها وحدها إنقاذ الاقتصاد في المدى القصير. بل تمثل رهانًا متوسط وطويل الأجل، يحتاج إلى مناخ تنافسي حقيقي، وتمويل مستدام، وحماية من تقلبات السياسات والضرائب.
فجوة بين المؤشرات والشارع
في المحصلة، تعكس تصريحات رئيس الوزراء تحسنًا في بعض المؤشرات الكلية. لكنها لا تزال تصطدم بواقع يومي يشعر فيه المواطن بأن أثر الإصلاح لم يصل إليه بعد بشكل ملموس.
ويرى محللون أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة لم يعد في تحقيق الاستقرار الرقمي. بل في تحويل هذا الاستقرار إلى نمو إنتاجي حقيقي، ينعكس على الأسعار، والدخل، وفرص العمل. ويقلل الاعتماد على التمويل الخارجي.
وبين خطاب التفاؤل الرسمي وقلق الشارع، يبقى السؤال مفتوحًا.
هل ما تحقق حتى الآن هو نهاية أزمة أم مجرد هدنة اقتصادية تحتاج إلى إصلاحات أعمق وأطول نفسًا؟
