تشريع قائم وغطاء ديني.. حراك برلماني وإعلامي متصاعد حول التبرع بالأنسجة

شهد ملف التبرع بالأنسجة والأعضاء البشرية في مصر خلال الفترة الأخيرة حراكًا لافتًا على المستويين البرلماني والإعلامي، في وقت تؤكد فيه تصريحات رسمية أن الإطار التشريعي المنظم لهذا الملف محسوم منذ سنوات، بينما تتركز التحديات الحقيقية في الجوانب المجتمعية والتنفيذية.

وأكد مجدي مرشد، وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب، أن قانون تنظيم نقل وزراعة الأعضاء رقم 5 لسنة 2010 حسم الجدل التشريعي المتعلق بالتبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في غياب القوانين أو الإمكانيات الطبية، وإنما في ضعف الوعي المجتمعي بثقافة التبرع بعد الوفاة.

وقال مرشد، إن الدولة تمتلك الإمكانيات الفنية والطبية اللازمة لإنشاء أو تطوير بنوك للأنسجة متى توافرت التبرعات، لافتًا إلى أن هذه التجهيزات ليست معقدة أو مرتفعة التكلفة مقارنة بإمكانات المستشفيات الحالية، إلا أن غياب المتبرعين يعرقل تفعيل هذه الإمكانيات.

الاستيراد كحل مكلف لأزمة مزمنة

وأشار وكيل لجنة الصحة إلى أن مصر ما زالت تعتمد على استيراد بعض الأنسجة، وعلى رأسها القرنيات، بتكلفة تتراوح بين 70 و80 ألف جنيه للقرنية الواحدة، وهو ما يمثل عبئًا ماديًا كبيرًا على المرضى، في ظل إمكانية التصنيع المحلي حال توافر منظومة تبرع فعالة.

وشدد مرشد على أن القوانين وحدها لا تكفي لتحقيق نتائج ملموسة، مؤكدًا أن انتشار ثقافة التبرع هو العامل الحاسم، كما هو الحال في العديد من الدول التي نجحت في تحقيق وفرة كبيرة من الأعضاء والأنسجة بفضل اقتناع مجتمعي واسع.

مقترح برلماني لبنك وطني للأنسجة

في هذا السياق، تقدمت النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، باقتراح برغبة موجه إلى وزير الصحة والسكان، تطالب فيه بتأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية وتيسير إجراءات التبرع بعد الوفاة، بهدف تقديم حلول جذرية لأزمة علاج مصابي الحروق في مصر.

وأوضحت صابر. أن مقترحها جاء بالتزامن مع استقبال مؤسسة أهل مصر لعلاج الحروق أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين. بعد جهود استمرت عامين للحصول على الموافقات اللازمة، متسائلة عن جدوى استمرار الاعتماد على الاستيراد بتكلفة قد تصل إلى نحو مليون جنيه للحالة الواحدة، في ظل توافر الكفاءات الطبية والغطاء القانوني.

دار الإفتاء: جواز شرعي بضوابط صارمة

بالتوازي مع هذا الحراك التشريعي، أكدت دار الإفتاء المصرية وجود غطاء شرعي واضح لمسألة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة.

وقال الشيخ علي عمر الفاروق، رئيس القطاع الشرعي بدار الإفتاء، إن مسألة التبرع بالأعضاء تمت دراستها من قبل. وانتهت إلى الجواز الشرعي، شريطة الالتزام بعدد من الضوابط التي تضمن كرامة الإنسان حيًا وميتًا. وتمنع تحول الأمر إلى تجارة بالأعضاء.

وأوضح الفاروق أن انتقال العضو يجب أن يكون على سبيل التبرع لا البيع. مع مراعاة عدم انتهاك حقوق الإنسان أو الأطفال، مؤكدًا أن دار الإفتاء تعيد النظر باستمرار في القضايا وفق المستجدات.

وفي السياق ذاته، أكد هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء. أن لجنة متخصصة تم تشكيلها بالفعل لدراسة مسألة إنشاء بنك وطني للأنسجة والأعضاء. تحت إشراف وتوجيه مباشر من مفتي الجمهورية الدكتور نظير عياد.

إشارات سياسية وتشريعية واضحة

ويعكس هذا التوازي بين النقاش البرلماني، والتغطية الإعلامية، والتصريحات الشرعية الرسمية. توجهًا عامًا لدى الدولة بشقيها التشريعي والتنفيذي نحو تهيئة البيئة القانونية والمجتمعية لتفعيل منظومة وطنية للتبرع بالأنسجة والأعضاء. في إطار قانوني قائم، وغطاء ديني معلن.

Exit mobile version