جاء لقاء عبد الفتاح السيسي بالشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أبوظبي ليؤكد، على المستوى الرسمي، متانة العلاقات المصرية-الإماراتية وحرص الجانبين على استمرار التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي، في وقت تمر فيه المنطقة بواحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا على الصعيدين الإقليمي والدولي.
الزيارة، التي شملت جولة في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ولقاءً ثنائيًا موسعًا، حملت رسائل واضحة تتعلق بأولوية الاستثمار والتعاون الاقتصادي، لكنها في الوقت ذاته فتحت الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة هذه الشراكة على الصمود أمام تباين المواقف السياسية بين البلدين في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة.
الاقتصاد في صدارة المشهد
حرص السيسي على التأكيد صراحة على انفتاح مصر أمام مزيد من الاستثمارات الإماراتية، في إشارة تعكس حاجة الاقتصاد المصري إلى تدفقات مالية خارجية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية، وارتفاع أعباء الدين، وتراجع قيمة العملة.
في المقابل، أبدت القيادة الإماراتية، وفق البيان الرسمي، رغبة في دفع العلاقات الاقتصادية إلى آفاق أرحب، ما يعكس استمرار الرهان الإماراتي على السوق المصرية بوصفها سوقًا كبيرة واستراتيجية، وليست مجرد ساحة دعم سياسي مؤقت.
تباين سياسي لا يمكن تجاهله
رغم الخطاب الإيجابي، لا يمكن فصل الزيارة عن سياق إقليمي تتباين فيه مقاربات القاهرة وأبوظبي في عدة ملفات، أبرزها:
- السودان: حيث تميل مصر إلى دعم مسار يحافظ على مؤسسات الدولة ووحدتها، بينما تُتهم أطراف إقليمية، من بينها الإمارات، بدعم قوى مختلفة داخل الصراع، ما خلق فجوة غير معلنة في الرؤى.
- الصومال والبحر الأحمر: تتقاطع المصالح الأمنية المصرية المرتبطة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس مع تحركات إماراتية توسعية في الموانئ والنفوذ البحري، وهو ما يثير تحفظات مصرية متزايدة.
- اليمن: يمثل أحد أبرز نقاط التباين، خاصة في ظل التوتر الحاد بين الرياض وأبوظبي حول إدارة الملف اليمني، في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية-السعودية تقاربًا لافتًا سياسيًا واستراتيجيًا.
هذه التباينات لا تعني قطيعة، لكنها تشير إلى اختلاف في أولويات النفوذ الإقليمي وأدوات إدارة الأزمات.
هل تفصل الإمارات الاقتصاد عن السياسة؟
تشير التجربة خلال السنوات الماضية إلى أن أبوظبي تميل إلى الفصل النسبي بين الاقتصاد والخلافات السياسية. وهو ما يفسر استمرار الاستثمارات الإماراتية في مصر رغم اختلاف المواقف في ملفات إقليمية متعددة.
الإمارات تنظر إلى مصر باعتبارها:
- ركيزة للاستقرار العربي،
- وسوقًا استثمارية طويلة الأجل،
- وشريكًا لا غنى عنه في موازين الإقليم.
في المقابل، تدرك القاهرة أن الدعم الإماراتي، وإن كان مهمًا. لم يعد بلا شروط أو حسابات، وأنه بات مرتبطًا بعوائد اقتصادية واضحة، وليس فقط باعتبارات التحالف السياسي.
بين الرياض وأبوظبي: موقع القاهرة
التقارب المتزايد بين القاهرة والرياض يمنح مصر هامش حركة أوسع. لكنه في الوقت ذاته يضعها في موقع حساس بين حليفين خليجيين يمران بمرحلة توتر غير معلن.
ويبدو أن القاهرة تحاول الحفاظ على توازن دقيق. دون الانخراط في محاور صدامية، مع التركيز على تحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب الاقتصادية.
