خفض الفائدة.. بين تحفيز الاستثمار ومخاوف التضخم وتآكل المدخرات

أعاد قرار البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس، ضمن دورة التيسير النقدي المستمرة منذ العام الماضي، الجدل حول جدوى السياسة النقدية في المرحلة الحالية، ومدى انعكاساتها الفعلية على الاقتصاد الحقيقي.

وبحسب القرار الأخير، سجل سعر الإيداع 19%، وسعر الإقراض 20%، فيما بلغ سعر العملية الرئيسية 19.5%، وسط توقعات بمواصلة الخفض تدريجيًا خلال 2025 و2026.

القطاع العقاري والتأمين.. أول المتأثرين

الدكتور محمد القاضي، الرئيس التنفيذي لشركة Norm للاستشارات العمرانية، قال في تصريحات صحفية إن خفض الفائدة المتوقع إلى نحو 8.25% خلال عامي 2025 و2026 “سيعيد تشكيل خريطة الطلب العقاري”، مع احتمالات توجه المدخرين نحو الأصول العقارية بحثًا عن عوائد أعلى.

وفي السياق ذاته، أوضح الخبير التأميني أحمد إبراهيم أن انخفاض الفائدة يضغط على العوائد الاستثمارية لشركات التأمين، خاصة في ظل اعتمادها على أدوات الدين الحكومية، ما يدفعها لإعادة هيكلة محافظها الاستثمارية.

لكن بعيدًا عن القطاعات المستفيدة نسبيًا، يبقى السؤال الأهم: هل خفض الفائدة يخدم الاقتصاد الكلي في ظل معدلات تضخم مرتفعة وضغوط معيشية؟

جدوى الخفض.. قراءة اقتصادية أوسع

يرى عدد من الاقتصاديين المستقلين أن فعالية خفض الفائدة تتوقف على التوقيت والظروف المحيطة به.

الخبير الاقتصادي ممدوح الولي قال في تصريحات إعلامية سابقة إن “خفض الفائدة في بيئة تضخمية قد لا ينعكس إيجابيًا على المواطن إذا لم يصاحبه تحسن في الإنتاج المحلي وزيادة المعروض من السلع”، معتبرًا أن تحفيز الطلب دون زيادة الإنتاج قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة.

من جانبه، صرّح الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني في مقابلات صحفية بأن “خفض الفائدة قد يفيد كبار المستثمرين أكثر من محدودي الدخل”، مشيرًا إلى أن الأثر الحقيقي يظهر عندما يكون هناك قطاع صناعي قوي قادر على استيعاب التمويل منخفض التكلفة وتحويله إلى إنتاج وفرص عمل.

أما الباحث الاقتصادي وائل جمال فذكر في مقالات وتحليلات منشورة أن السياسة النقدية وحدها لا تكفي لمعالجة الاختلالات الهيكلية، مؤكدًا أن “أي تيسير نقدي يجب أن يتواكب مع إصلاحات هيكلية تقلل الاعتماد على الاستيراد وتعزز القدرة التصديرية”.

بين تحفيز الاستثمار وضغوط الأسعار

من الناحية النظرية، يسهم خفض الفائدة في:

  • تقليل تكلفة الاقتراض على الشركات
  • تحفيز الاستثمار والتوسع الإنتاجي
  • تنشيط سوق الائتمان

لكن في المقابل، قد يؤدي إلى:

  • تقليل جاذبية الادخار البنكي
  • زيادة الطلب الاستهلاكي
  • ضغوط محتملة على سعر الصرف إذا تراجعت التدفقات الأجنبية الباحثة عن عائد مرتفع

ويرى محللون أن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق توازن بين دعم النمو وكبح التضخم، خاصة في اقتصاد لا يزال يعتمد بشكل كبير على الواردات.

هل ينعكس الخفض على حياة المواطن؟

يبقى المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة نقدية هو انعكاسها على مستوى المعيشة. فإذا لم يؤدِّ خفض الفائدة إلى زيادة فرص العمل وتحسين الدخول الحقيقية، فقد يظل تأثيره محدودًا بالنسبة للمواطن.

ويرى خبراء أن الأثر الإيجابي سيظهر فقط إذا:

  • زادت معدلات الإنتاج المحلي
  • تراجعت الضغوط التضخمية
  • توسعت الاستثمارات في قطاعات إنتاجية لا مضارباتية

Exit mobile version