أثارت دراسة حديثة نشرتها المجلة الدولية للحد من مخاطر الكوارث في عدد فبراير 2026، جدلًا واسعًا بعد تحذيرها من مخاطر جيولوجية محتملة تهدد سد النهضة الإثيوبي، مشيرة إلى رصد هبوط أرضي وتسربات مائية كبيرة داخل جسم السد وخزانه، استنادًا إلى تحليل صور أقمار صناعية وتقنيات استشعار متقدمة.
وبحسب الدراسة، فإن بيانات الأقمار الصناعية أظهرت مؤشرات على تسرب كميات ضخمة من المياه، إلى جانب هبوط تفاضلي في بعض مناطق السد يصل إلى نحو 40 ملم، فضلًا عن نشاط زلزالي يتماشى مع خطوط صدوع جيولوجية في المنطقة، ما يثير تساؤلات بشأن الاستقرار طويل الأمد للمنشأة.
مخاوف من فيضانات عابرة للحدود
الدراسة حذرت كذلك من أن أي انهيار محتمل حال وقوعه قد يؤدي إلى فيضانات واسعة النطاق تمتد إلى السودان ثم مصر، مع تأثيرات مباشرة على ملايين السكان في دولتي المصب.
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد نصر علام، وزير الري المصري الأسبق، في تصريحات سابقة لقناة الجزيرة مباشر، إن "سد النهضة بحجمه الضخم ووقوعه في منطقة جيولوجية معقدة يفرض ضرورة مراجعات فنية دولية دورية لضمان أعلى درجات الأمان"، مشيرًا إلى أن "أي خلل هيكلي ستكون له تداعيات كارثية على السودان أولًا بحكم القرب الجغرافي".
وأوضح علام أن السودان سيكون المتضرر الأكبر في حال حدوث انهيار مفاجئ، إذ قد تتعرض مدن كبرى على النيل الأزرق لموجة فيضانية جارفة خلال ساعات، بينما ستصل التأثيرات إلى مصر لاحقًا ولكن بوتيرة أبطأ نسبيًا بسبب المسافة وطبيعة مجرى النهر.
السودان في دائرة الخطر المباشر
من جانبه، حذر خبير الموارد المائية السوداني الدكتور أحمد المفتي، في تصريحات نشرتها صحيفة السوداني، من أن "أي انهيار مفاجئ لسد النهضة سيؤدي إلى موجة مائية هائلة قد تتجاوز قدرة السدود السودانية على الاستيعاب، خصوصًا الروصيرص وسنار"، مضيفًا أن "الكثافة السكانية على ضفاف النيل الأزرق تجعل المخاطر الإنسانية جسيمة".
وأشار المفتي إلى أن السودان هو "خط الدفاع الأول" في مواجهة أي خلل محتمل، مؤكدًا ضرورة وجود آلية تنسيق فني دائم وتبادل بيانات لحظي بين الدول الثلاث.
سيناريو التأثير على مصر
أما في مصر، فقد أوضح الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري. في تصريحات نقلتها صحيفة الأهرام في سياقات سابقة متعلقة بأمان السدود. أن الدولة المصرية تتابع "عن كثب كافة التطورات الفنية المرتبطة بالسد". مؤكدًا أن "أمن وسلامة المنشآت المائية في حوض النيل مسألة لا تقبل المخاطرة".
ويرى خبراء أن التأثير على مصر، في حال الانهيار الكلي، قد يتمثل في موجة فيضانية كبيرة تصل إلى بحيرة ناصر. ما قد يفرض ضغوطًا هائلة على السد العالي. إلا أن وجود السد العالي قد يخفف نسبيًا من حدة الصدمة مقارنة بالسودان. مع بقاء المخاطر قائمة على البنية التحتية والمجتمعات الواقعة على مجرى النهر.
دعوات لفحص دولي شامل
وتتفق آراء خبراء السدود والري على أن الحل يكمن في تعزيز الشفافية الفنية. وإجراء مراجعات سلامة مستقلة بمشاركة خبراء دوليين. خاصة مع ضخامة حجم الخزان وطبيعة التربة المحيطة بالسد.
وفي ظل التحذيرات التي تضمنتها الدراسة، تتجدد الدعوات إلى ضرورة وجود آلية رقابة إقليمية مشتركة. تضمن سلامة السد وتفادي أي سيناريو كارثي قد يمتد أثره إلى ملايين المواطنين في وادي النيل. وسط تأكيدات بأن إدارة المخاطر الاستباقية تظل الخيار الوحيد لتجنب تداعيات يصعب احتواؤها لاحقًا.
