السيسي والثانوية العامة.. إصرار على نهج لا يحصد إلا الأزمات
وجّه عبد الفتاح السيسي بمعاقبة كل من يثبت تورطه في مخالفات تتعلق بامتحانات الثانوية العامة، مؤكدًا ضرورة تطبيق القانون بحسم للحفاظ على نزاهة العملية التعليمية.
ويأتي هذا التوجيه في سياق متكرر من الأزمات التي تشهدها امتحانات “الثانوية العامة” كل عام، سواء بسبب تسريب الأسئلة أو شكاوى الطلاب من صعوبة الامتحانات أو أخطاء التصحيح.
غير أن هذا التوجيه الرئاسي يفتح الباب مجددًا أمام سؤال أعمق: هل تكفي العقوبات وحدها لعلاج أزمة ممتدة في بنية النظام التعليمي، أم أن المشكلة تتجاوز فكرة “المخالفات الفردية” إلى خلل هيكلي في فلسفة التعليم ذاتها؟
نهج أمني في مواجهة أزمة تعليمية
لطالما تعاملت الدولة مع أزمات الثانوية العامة باعتبارها قضية انضباط ورقابة، وهو ما يتجلى في تشديد الإجراءات الأمنية داخل اللجان، وملاحقة صفحات الغش الإلكتروني، وإحالة المخالفين إلى التحقيق.
لكن في المقابل، يرى مراقبون أن التركيز على العقاب دون مراجعة جوهر النظام التعليمي يُبقي الأزمة قائمة.
فالامتحان ما يزال يمثل “الفرصة الوحيدة” التي تحدد مصير الطالب الجامعي والمهني، ما يضاعف الضغوط النفسية ويغذي ظواهر الغش والدروس الخصوصية. وبالتالي، تصبح الأزمة بنيوية لا ظرفية.
الثانوية العامة… عقدة النظام التعليمي
تُدار امتحانات الثانوية العامة من خلال وزارة التربية والتعليم، التي أعلنت خلال السنوات الماضية عن تطويرات متتالية، شملت التحول إلى نظام “البابل شيت” والامتحانات الإلكترونية في بعض المراحل.
غير أن هذه التعديلات، بحسب آراء خبراء، لم تمس جوهر المشكلة:
- الاعتماد المفرط على الامتحان النهائي.
- ضعف التقييم التراكمي الحقيقي.
- استمرار ثقافة “الحفظ والتلقين”.
كما أن تغيير شكل الامتحان دون تغيير المحتوى وأساليب التدريس أدى – وفق تقارير إعلامية – إلى حالة ارتباك متكررة بين الطلاب والمعلمين.
آراء خبراء التعليم في الإعلام
د. كمال مغيث: “الأزمة في الفلسفة لا في الامتحان”
قال الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث، في تصريحات صحفية متداولة، إن مشكلة الثانوية العامة “ليست في شكل الأسئلة أو طريقة التصحيح، بل في فلسفة تعليم تقوم على الامتحان الواحد الفاصل”، مؤكدًا أن استمرار النظام بصورته الحالية يكرس الضغط المجتمعي ويجعل الغش نتيجة طبيعية لبيئة تنافسية حادة.
د. حسن شحاتة: “التطوير يحتاج تغييرًا شاملًا لا قرارات جزئية”
أما أستاذ المناهج وطرق التدريس الدكتور حسن شحاتة، فقد أشار في لقاءات إعلامية إلى أن أي تطوير حقيقي يجب أن يبدأ من إعادة صياغة المناهج وأساليب التقويم، لا الاكتفاء بإجراءات تنظيمية. واعتبر أن “التحول الرقمي وحده لا يصنع تعليمًا حديثًا إذا بقي المحتوى قائمًا على التكديس المعرفي”.
د. طارق شوقي: الدفاع عن مسار التطوير
من جانبه، دافع وزير التعليم الأسبق طارق شوقي في أكثر من ظهور إعلامي عن مشروع التطوير، معتبرًا أن مقاومة التغيير طبيعية، وأن النظام الجديد يستهدف قياس الفهم لا الحفظ. لكنه أقر في الوقت ذاته بأن التطبيق واجه تحديات تقنية ومجتمعية كبيرة.
بين الحسم السياسي والإصلاح المؤجل
توجيه الرئيس بمعاقبة المتورطين يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة لن تتهاون مع أي إخلال بنزاهة الامتحانات.
غير أن خبراء يرون أن الحسم القانوني، رغم ضرورته، لا يعالج جذور الأزمة.
فالطلاب وأولياء الأمور يعيشون حالة توتر سنوية متكررة، فيما تستمر الدروس الخصوصية في التوسع، ويظل الامتحان النهائي هو الفيصل الوحيد. وهنا يتجدد الجدل:
هل آن الأوان لإعادة النظر في نموذج الثانوية العامة بالكامل؟
أم أن النظام سيواصل السير في المسار ذاته مع الاكتفاء بتشديد الرقابة والعقوبات؟



