دعت مصر إلى الامتناع عن اتخاذ أي خطوات “متعجلة غير منضبطة” نحو إنشاء مفوضية الاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل (اتفاقية عنتيبي)، قبل التوصل إلى توافق شامل بين دول الحوض.
وجاءت الدعوة على لسان وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم، خلال احتفالية “يوم النيل” في جنوب السودان، وفق بيان رسمي للوزارة.
وأكد سويلم أن القاهرة لا تزال ترى في مبادرة حوض النيل الإطار الجامع القادر على جمع الدول العشر، مشددًا على أن العملية التشاورية التي أطلقها مجلس وزراء مياه دول الحوض تمثل “المسار العملي الوحيد” للانتقال إلى مرحلة تعاون شامل.
كما أشار إلى أن هناك دعمًا واسعًا لاستمرار المشاورات، لكنه لفت إلى أن “دولة واحدة” تعرقل المسار، في إشارة غير مباشرة إلى إثيوبيا.
خلفية الخلاف: مفوضية “عنتيبي” وسد النهضة
تعود جذور الأزمة إلى توقيع عدد من دول المنابع على اتفاقية الإطار التعاوني عام 2010، ثم انضمام جنوب السودان في 2024، بينما رفضت مصر والسودان الاتفاقية بدعوى أنها لا تراعي الاتفاقيات التاريخية المنظمة لحصص المياه.
وفي الوقت ذاته، تصاعد الخلاف مع إثيوبيا بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، الذي ترى القاهرة أنه قد يؤثر على أمنها المائي في فترات الجفاف الممتد.
وتشارك 11 دولة في حوض النيل، في وقت تؤكد فيه مصر أن مواردها المائية شبه ثابتة، بينما يزداد عدد سكانها سنويًا، ما يضاعف فجوة الاحتياجات المائية.
قلة الخيارات وضغط الواقع المائي
تأتي تصريحات الوزير المصري في ظل واقع مائي معقد. فمصر تعتمد بنسبة تفوق 95% على مياه نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه العذبة.
وبينما تؤكد الحكومة أنها تدير الملف عبر المسارات الدبلوماسية والقانونية. يرى مراقبون أن هامش المناورة المصرية تراجع مع اكتمال معظم مراحل ملء سد النهضة. ما يجعل القاهرة تركز حاليًا على إدارة تداعيات التشغيل أكثر من إيقافه.
كما تشير تقارير رسمية إلى أن نصيب الفرد من المياه في مصر يتراجع عامًا بعد عام. مقتربًا من حد الفقر المائي عالميًا، في ظل ثبات الحصة المائية تقريبًا مقابل نمو سكاني متسارع.
آراء خبراء الري والسدود في الإعلام
“مصر انتقلت من التفاوض على البناء إلى إدارة التشغيل”
قال أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، في تصريحات إعلامية سابقة. إن مصر “لم تعد تفاوض على بناء السد، بل على آليات التشغيل والتنسيق لتقليل الأضرار”.
وأكد أن اكتمال الملء لا يعني انتهاء المخاطر، بل يحولها إلى مرحلة إدارة سنوية تعتمد على منسوب الفيضان.
“الفجوة المائية تتسع والحلول مكلفة”
من جانبه، صرّح أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور نادر نور الدين، في مقابلات إعلامية، بأن مصر تعاني بالفعل من فجوة مائية تُغطى بإعادة استخدام المياه وتحلية البحر، وهي حلول ضرورية لكنها مرتفعة التكلفة. وأضاف أن استمرار غياب اتفاق قانوني ملزم حول السد “يبقي عنصر المخاطرة قائمًا في سنوات الجفاف”.
“غياب الاتفاق يضعف الموقف التفاوضي”
أما وزير الري الأسبق الدكتور محمد نصر الدين علام. فقد حذّر في تصريحات صحفية من أن استمرار الخلاف دون اتفاق قانوني واضح قد يُضعف أوراق الضغط المصرية. معتبرًا أن إدارة الملف تحتاج إلى تحرك سياسي وقانوني أكثر فاعلية على الساحة الدولية.
بين الدبلوماسية والواقع
تعكس دعوة مصر إلى عدم التعجل في إنشاء مفوضية اتفاقية عنتيبي تمسكها بخيار التوافق الجماعي. غير أن المشهد الإقليمي يشير إلى تباين واضح في الرؤى بين دول المنابع والمصب.
وفي ظل اكتمال المراحل الأساسية لسد النهضة، تبدو القاهرة أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على حصتها المائية التقليدية. وفي الوقت ذاته التكيف مع معادلة جديدة تفرضها موازين القوى المائية في الحوض.
