جددت مصر موقفها الرافض لمنح إثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، أي نفاذ إلى البحر الأحمر، نافية بشكل قاطع ما تردد عن استعدادها لبحث الأمر مقابل مرونة إثيوبية في ملف سد النهضة.
وأكد مصدر مصري مسؤول أن “موقف مصر من الأمن المائي ثابت ولم يتغير”، مشددًا على أن حوكمة وأمن البحر الأحمر تقتصر على الدول المشاطئة له، وأن أي ترتيبات تخصه يجب أن تكون في إطار القانون الدولي ومصالح الدول الساحلية.
خلفية التوتر
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا بشأن السد الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق، ورفضها حتى الآن توقيع اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل.
وفي الوقت ذاته، كثّف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الأشهر الأخيرة حديثه عن “الحق المشروع” لبلاده في الحصول على منفذ بحري، مطالبًا شركاء إقليميين بدعم هذا المسعى عبر “وسائل سلمية وتوافقية”.
هل تستخدم أديس أبابا «السد» كورقة ضغط؟
يرى مراقبون أن تزامن إثارة ملف المنفذ البحري مع تعثر مفاوضات السد يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت إثيوبيا توظف القضيتين ضمن مقاربة تفاوضية أوسع.
السفير المصري الأسبق صلاح حليمة قال في تصريحات صحفية إن:
“ربط الملفات أمر مرفوض، ولا يجوز استخدام قضايا سيادية للضغط في ملف آخر. المطلوب هو التزام إثيوبيا باتفاق قانوني ملزم بشأن السد، وفق قواعد القانون الدولي”.
في المقابل، قال البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد في حديث إعلامي:
“الحصول على منفذ بحري حق مشروع لإثيوبيا، ولن يكون على حساب أحد. نسعى إلى ترتيبات قائمة على المنفعة المتبادلة، وليس الابتزاز السياسي”.
أما الباحث في شؤون القرن الأفريقي حسن خليل فذكر في مقابلة تلفزيونية أن:
“إثيوبيا تدير ملفاتها التفاوضية بمنطق الحزم والبراغماتية، وقد تستخدم أوراقًا متعددة لتحسين شروطها، لكن الربط العلني بين البحر الأحمر والسد سيزيد التوتر الإقليمي”.
هل يمكن أن “ترضخ” القاهرة؟
يثير بعض المحللين تساؤلًا حول ما إذا كانت القاهرة قد تقدم تنازلات مستقبلًا. خصوصًا في ظل سابقة توقيع “إعلان المبادئ” عام 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان.
وكان عبد الفتاح السيسي قد وقّع إلى جانب آبي أحمد على إعلان المبادئ في الخرطوم عام 2015. وهو الاتفاق الذي اعتبرته القاهرة حينها إطارًا قانونيًا يحكم التعاون. بينما يرى منتقدون أنه أتاح لإثيوبيا استكمال البناء دون التوصل لاتفاق تفصيلي ملزم.
الخبير في العلاقات الدولية طارق فهمي قال في تصريحات إعلامية سابقة حول ملف السد:
“مصر لن تكرر أخطاء الماضي، وأي تفاهمات مستقبلية ستكون مشروطة بضمانات واضحة وملزمة، خاصة فيما يتعلق بحصتها المائية”.
في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية عصام عبد الشافي في مداخلة متلفزة أن:
“إثيوبيا استطاعت فرض سياسة الأمر الواقع في ملف السد، وأي تراخٍ جديد سيُقرأ باعتباره ضعفًا استراتيجيًا”.
أبعاد إقليمية أوسع
يأتي التصعيد أيضًا في ظل تحركات دبلوماسية متسارعة في المنطقة، وزيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أديس أبابا مؤخرًا. ما اعتبره بعض المراقبين مؤشرًا على إعادة تموضع إثيوبي في تحالفات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتؤكد القاهرة تمسكها بتفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، باعتباره الإطار الشرعي الوحيد لحوكمة الممر الملاحي الاستراتيجي.
