لماذا يتريث الحوثيون في دخول الحرب إلى جانب إيران؟
مع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير 2026، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد غير المسبوق.
وقد بدأت الحرب بضربة نوعية استهدفت القيادة الإيرانية وأسفرت عن مقتل المرشد الإيراني علي حكيمي وعدد من كبار القادة العسكريين، ما أحدث صدمة داخل النظام الإيراني وأربك شبكة حلفائه في المنطقة.
وخلال الأيام التالية، تبادلت إيران وإسرائيل الضربات الصاروخية، بينما شاركت فصائل مسلحة مرتبطة بطهران في العراق ولبنان في الهجمات ضد المصالح الإسرائيلية والغربية.
لكن اللافت كان غياب الجماعة الحوثية في اليمن عن ساحة القتال حتى الآن، رغم كونها أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة.
تساؤلات حول موقف الحوثيين
يثير موقف جماعة الحوثي، بقيادة عبد الملك الحوثي، الكثير من التساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصاً أن الجماعة كانت خلال العامين الماضيين من أكثر الأطراف نشاطاً عسكرياً في المنطقة، بعد تنفيذها مئات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل وسفن في البحر الأحمر.
ورغم هذا السجل العسكري، اكتفى الحوثيون حتى الآن بمواقف سياسية وإعلامية، حيث دعا زعيم الجماعة إلى التظاهر في صنعاء تنديداً بمقتل خامنئي، مؤكداً أن قواته "على أهبة الاستعداد" للتدخل وفق تطورات المعركة.
ارتباك في التنسيق مع طهران
يرى بعض الباحثين أن سبب التأخر في الانخراط العسكري يعود إلى حالة ارتباك أصابت محور إيران بعد الضربة الأولى للحرب.
ويقول الباحث اليمني فارس البيل إن استهداف القيادة الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب أدى إلى خلخلة في بنية القيادة العسكرية، ما انعكس على قدرة طهران على تنسيق تحركات حلفائها في المنطقة.
ويضيف أن العمليات العسكرية الإيرانية نفسها بدت خلال الأيام الأولى أقرب إلى ردود فعل غير منظمة، الأمر الذي يشير إلى أن قنوات التنسيق بين طهران وحلفائها ربما تعرضت للاضطراب.
وفي السياق ذاته، يشير الباحث في مركز صنعاء للدراسات توفيق الجند إلى احتمال وجود خلل في قنوات الاتصال بين الحوثيين والقيادة الإيرانية، ما قد يكون أدى إلى تأخر صدور توجيهات واضحة بشأن توقيت الانخراط في الحرب.
خلافات داخل الجماعة
من جانب آخر، يرى مراقبون أن التردد الحوثي قد يكون مرتبطاً بخلافات داخلية في صفوف الجماعة نفسها.
ويقول المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالرياض صالح البيضاني إن هناك مؤشرات على وجود جناحين داخل الجماعة: أحدهما يدفع باتجاه التصعيد العسكري والانضمام الفوري إلى المعركة، بينما يفضل جناح آخر التريث ومراقبة تطورات الحرب قبل اتخاذ قرار بالمشاركة.
ويشير البيضاني إلى أن تسريب أخبار عن استئناف الهجمات في البحر الأحمر ثم نفيها لاحقاً يعكس حالة من الارتباك داخل قيادة الجماعة.
ضغوط اقتصادية وعسكرية
الباحث اليمني في شؤون الإعلام صادق الوصابي يلفت إلى عامل آخر قد يفسر الحذر الحوثي، وهو الوضع الاقتصادي والعسكري الهش في مناطق سيطرة الجماعة.
ويؤكد أن الحوثيين تعرضوا خلال الفترة الماضية لضربات عسكرية أضعفت بعض قدراتهم، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تواجهها مناطق سيطرتهم، ما يجعل الدخول في حرب إقليمية واسعة خطوة محفوفة بالمخاطر.
كما يشير إلى أن الدعم الإيراني العسكري والمالي الذي تعتمد عليه الجماعة لم يعد بالقوة نفسها. بسبب الضغوط التي تواجهها طهران حالياً.
حسابات بقاء ومحاولة الحفاظ على النفوذ
ويرى بعض المحللين أن الحوثيين قد يتعاملون مع الأزمة الحالية بمنطق "الحفاظ على البقاء". خصوصاً بعد الضربات التي طالت قيادات بارزة في محور إيران خلال الأشهر الأخيرة. من بينها مقتل زعيمهم حسن نصر الله وعدد من قادة الفصائل الحليفة لطهران.
وفي هذا الإطار، يعتقد توفيق الجند أن الجماعة قد تسعى إلى تجنب الظهور كمدافع مباشر عن إيران. حتى لا تخسر الرواية التي تبنتها خلال الأشهر الماضية بأنها تتحرك دعماً لغزة وليس خدمة لأجندة إيرانية.
تقييم استراتيجي قبل اتخاذ القرار
من جهته، يرى الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية عدنان الجبرني أن الحوثيين يجرون تقييماً مستمراً. لتطورات الحرب بالتنسيق مع أطراف محور إيران.
ويقول إن الجماعة تمتلك القدرة العسكرية للتدخل منذ اليوم الأول، لكن قرار المشاركة قد يرتبط بحسابات إيرانية أوسع. تهدف إلى توزيع أوراق الضغط العسكرية وعدم استهلاكها جميعاً في وقت واحد.
ويضيف أن انخراط الحوثيين قد يصبح مرجحاً إذا تعرضت قوى أخرى في المحور مثل حزب الله لضربات قاسية. أو إذا تعرضت الجماعة نفسها لهجوم مباشر.
احتمال التصعيد قائم
بدوره، يرى الباحث في شؤون الأمن الإقليمي إبراهيم جلال أن الحوثيين يمثلون جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الإيرانية. التي تعتمد على شبكة من الحلفاء المسلحين في المنطقة.
ويؤكد أن هذه الشبكة، التي تعرف بمحور المقاومة، أُنشئت أساساً لمثل هذه اللحظات، عندما تواجه إيران تهديداً مباشراً.
ويرجح جلال أن انضمام الحوثيين إلى الحرب قد يكون مسألة وقت، خصوصاً مع دخول فصائل عراقية ولبنانية في المواجهة.
مخاوف من توسع الصراع
في ظل هذه المعطيات، يحذر مراقبون من أن أي تدخل حوثي قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب في المنطقة. خاصة إذا استؤنفت الهجمات على السفن في البحر الأحمر أو أطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل.
وكان المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ قد دعا إلى تجنب جر اليمن إلى صراع إقليمي أوسع. مؤكداً أن الشعب اليمني لا يحتمل جولة جديدة من المواجهات.



