أثار توجيه عبد الفتاح السيسي، خلال الأيام الماضية، بإحالة المتلاعبين بالأسعار إلى النيابة العسكرية، موجة من الجدل القانوني والدستوري.
جاء ذلك بعد إعلان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء 10 مارس 2026، عن استجابة الحكومة للتوجيه الرئاسي، مؤكداً أن الإجراءات ستُتخذ بحق كل من يثبت تورطه في التلاعب بأسواق السلع الأساسية.
القيود الدستورية لمحاكمة المدنيين عسكريًا
وفقاً للمادة 204 من الدستور، لا يجوز محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري إلا في حالات محددة للغاية، تشمل الجرائم المرتكبة ضد المنشآت العسكرية أو المعدات أو الأفراد التابعين للقوات المسلحة، أو المناطق الحدودية، أو في حال اعتداء مباشر على منشآت تتولى القوات المسلحة حمايتها، مثل محطات الكهرباء وخطوط الغاز والسكك الحديدية والمرافق الحيوية الأخرى.
ويؤكد المحاميان الحقوقيان محمد رمضان وأحمد أبو العلا أن أي توجيه لإحالة التجار أو المتلاعبين بأسعار السلع الأساسية إلى القضاء العسكري، دون ارتباطهم بأي من هذه المنشآت أو الجرائم، يثير شبهة مخالفة دستورية، خصوصاً بعد انتهاء حالة الطوارئ في مصر عام 2021، والتي كانت تسمح في ظروف محددة بمحاكمة المدنيين عسكرياً.
مواد قانونية بديلة لمعاقبة المخالفين
يشير القانون إلى وجود بدائل مدنية واضحة لمعاقبة المتلاعبين بالأسعار دون الحاجة للجوء إلى القضاء العسكري.
فمثلاً، تنص المواد 345 و346 من قانون العقوبات على عقوبات مالية وسجنية للمتلاعبين بأسعار السلع الأساسية، فيما يمنح قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية (رقم 3 لسنة 2005) الحق في توقيع غرامات تصل إلى 12% من إجمالي إيرادات المخالف، وقد تصل إلى 500 مليون جنيه في بعض الحالات.
كما يمنح قانون حماية المستهلك (رقم 181 لسنة 2018) صلاحية توقيع عقوبات تصل إلى سبع سنوات سجن وغرامات مالية على من يمتنع عن طرح المنتجات الاستراتيجية للبيع أو يخزنها بشكل غير قانوني.
انتقادات حقوقية واستعارات مسبقة
وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش في مارس 2024 التعديلات الأخيرة على قوانين "القضاء العسكري" و"حماية المنشآت" بأنها تمنح الجيش سلطات واسعة على المدنيين، بما يشمل صلاحية محاكمة المدنيين عسكرياً في حالات لم يكن القانون المدني يخولها للقضاء العسكري.
كما أثارت محاكمات سابقة للمدنيين أمام المحاكم العسكرية، مثل قضية قبيلتي السواركة والرميلات في رفح والشيخ زويد عام 2024. أو محاكمة صيادين ببحيرة البردويل في 2025. انتقادات حقوقية واسعة بسبب غياب الضمانات القانونية الكافية واستقلالية القضاة العسكريين مقارنة بالقضاة المدنيين.
جدل حول تطبيق قانون حماية المنشآت
تسمح المادة الثانية من قانون حماية المنشآت، بحسب المحامي أبو العلا. باعتبار "الجرائم التي تضر باحتياجات المجتمع الأساسية من سلع ومنتجات تموينية" ضمن مقتضيات الأمن القومي. وهو ما قد يُفسّر على أنه يشمل كل التجار.
لكن هذا التفسير يظل محل جدل قانوني. إذ يمكن الطعن بعدم اختصاص المحكمة العسكرية بمحاكمة من ليس من البقالين التموينيين أو لا يرتبط بالمنشآت الحيوية.
