ارتفاع الأسعار يوسع دائرة الزكاة: الحكومة تستعين بالشريعة لمواجهة الغلاء
أثار تصريح محمد كمال، أمين الفتوى بـدار الإفتاء، جدلًا واسعًا في الأوساط العامة والإعلامية، بعدما أكد أنه يجوز إعطاء الموظف الذي لا يكفيه راتبه لسد احتياجاته الأساسية من الزكاة، مشيرًا إلى أن المقصود الأسمى من الزكاة هو رفع حالة الفقر عن المسكين والفقير.
وقال الفتوى في نصها إن الزكاة التي أمر بها الله سبحانه وتعالى تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتكافل بين أفراد المجتمع، وهي وسيلة شرعية لمساندة أصحاب الحاجة عند ضيق الحال، سواء في المواد الأساسية أو لسداد الالتزامات الضرورية.
من الجيد أن تتبنى منظومة التكافل… لكن ماذا عن واقع الحياة؟
تصريحات أمين الفتوى لاقت ترحيبًا من قطاع من المتابعين، الذين رأوا فيها تأكيدًا على أهمية منظومة التكافل الإسلامي التي أمر بها الإسلام كآلية اجتماعية لتخفيف معاناة الفقراء والمحتاجين.
ويُنظر إلى الزكاة في الإسلام على أنها أحد أهم أدوات التضامن الاجتماعي، إلى جانب الصدقات والوقف.
لكن تصريحات كمال اشتعلت أيضًا بردود فعل وانتقادات من قطاعات واسعة في المجتمع، ووسائل إعلام، ونشطاء على مواقع التواصل، الذين رأوا فيها مؤشرًا على تفاقم الوضع المعيشي في مصر.
فإذا كان ثمة حديث عن أن موظفًا يعمل براتب ثابت ولم يعد يكفيه لسد احتياجاته الأساسية حتى يستحق الزكاة، فهذا يطرح تساؤلات حول درجة الهشاشة التي وصل إليها مستوى المعيشة، لا سيما بين أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة.
تساؤلات حول الطبقة الوسطى واستحقاق الزكاة
أثار تصريح دار الإفتاء تساؤلات مهمة، منها:
- هل أصبحت الطبقة الوسطى في مصر بالفعل من الفئات التي تندرج تحت “المحتاجين” في نظر الفقه الإسلامي؟
- وهل يعكس هذا القول فجوة حقيقية بين الأجور وتكاليف المعيشة؟
يأتي هذا في وقت يشهد فيه الاقتصاد المصري ارتفاعًا في أسعار السلع الأساسية والطاقة، مع بيانات رسمية وتشخيصات اقتصادية تقول إن القوة الشرائية للمواطن قد تآكلت في السنوات الأخيرة، وأن أعباء الأسرة في تكاليف الغذاء والسكن والتعليم أصبحت ثقيلة على كثيرين.
ويرى اقتصاديون أن الاعتماد على منظومة الزكاة لمساندة ذوي الدخل المحدود هو أمر محمود من الناحية الشرعية والاجتماعية. لكنه في الوقت نفسه دليل قوي على أن الأوضاع المعيشية بلغت مستويات صعبة.
ردود الخبراء: الزكاة أداة مهمة
قال الدكتور أحمد شوقي، أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، في تصريحات إعلامية، إن:
"الزكاة والتكافل الاجتماعي جزء من شبكة الأمان المجتمعي في الإسلام، ويجب دعمها وتشجيعها، لكنها ليست أداة كافية لمعالجة اختلالات الاقتصاد الكلي مثل ارتفاع الأسعار وتآكل الأجور وعدم كفايتها."
وأضاف شوقي أن:
"الوصول إلى مرحلة يتحدث فيها رجل دين عن إمكانية أن الموظف لا يكفيه راتبه لسد احتياجاته الأساسية يشير إلى أن هناك خللًا في هيكل الأجور مقارنة بتكاليف السلع والخدمات، ويجب أن يكون ذلك محل نقاش اقتصادي واجتماعي أوسع."
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع في مقابلة تلفزيونية إن:
"الحديث عن استحقاق موظف للزكاة يدل على أن المشكلة لم تعد مقتصرة على محدودي الدخل وحدهم، بل شملت فئات كانت تُعد في السابق من الطبقة المتوسطة."
وأضاف نافع:
"هذه الحالة تستحق تحليلًا اقتصاديًا دقيقًا لمعرفة مدى كفاية الحد الأدنى للأجور، وسياسات الدعم، ومدى ملاءمتها مع احتياجات الأسر الأساسية."
ما بين الشرع والواقع
يرى مراقبون أن الفتوى نفسها ليست موضع نقد شرعي، بل تم تفسيرها في إطار التكافل الإسلامي المشروع. إلا أن أهميتها تكمن في القراءة الاجتماعية والاقتصادية لها.
فإذا تم اعتبار الموظف الذي لا يكفيه راتبه من الفئات المستحقة للزكاة، فهذا يعني أن منظومة الأجور، الدعم. ومستويات الأسعار لم تعد تلبي احتياجات شريحة عريضة في المجتمع، وهو ما يطرح أسئلة حول سياسات رفع الأجور الحقيقية. تحديث منظومة الدعم الاجتماعي، وإعادة هيكلة الأجور مقابل التضخم.



