أعلنت وزارة التربية والتعليم استمرار العمل بنظام امتحانات الثانوية العامة دون تغيير في 2026، مع الاعتماد على مزيج من أسئلة الاختيار من متعدد والأسئلة المقالية، وبنسب محددة تهدف وفق الوزارة إلى قياس مستويات الفهم المختلفة لدى الطلاب، مع التأكيد على خلو الامتحانات من التعقيد أو “الألغاز”.
غير أن هذا الإعلان يعيد إلى الواجهة تساؤلات أعمق حول جدوى النظام نفسه، بعد سنوات من التعديلات المتكررة التي لم تحسم الجدل حول قدرته على تحقيق العدالة التعليمية.
ملامح النظام الحالي
بحسب المواصفات المعلنة، تشكل أسئلة الاختيار من متعدد نحو 85% من إجمالي الامتحان، مقابل نسبة محدودة للأسئلة المقالية. كما توزّع الأسئلة بين مستويات بسيطة ومتوسطة وعليا، في محاولة لقياس الفهم والتطبيق والتفكير النقدي.
هذا التوزيع، نظريًا، يعكس توجّهًا حديثًا نحو الابتعاد عن الحفظ، والتركيز على الفهم والتحليل. لكن على أرض الواقع، يختلف التقييم بشكل كبير.
بين الفهم والحفظ.. فجوة التطبيق
رغم تأكيدات الوزارة أن الامتحانات تقيس مهارات التفكير، يرى كثير من المعلمين والطلاب أن نمط “الاختيار من متعدد” لا يزال يدفع نحو الحفظ بشكل غير مباشر، خاصة في ظل طبيعة الأسئلة التي تعتمد أحيانًا على التمييز بين إجابات متقاربة.
كما أن ضيق الوقت، وكثافة المناهج، يدفعان الطلاب للتركيز على “نماذج الامتحانات” والتدريب على أنماط الأسئلة، بدلاً من الفهم العميق للمحتوى، ما يحوّل العملية التعليمية إلى سباق تقني أكثر منها تجربة معرفية.
تغييرات متكررة.. دون استقرار
شهد نظام الثانوية العامة في مصر تعديلات عديدة خلال السنوات الماضية، من إدخال “البابل شيت” إلى الاعتماد على التصحيح الإلكتروني، ثم المزج بين الأسئلة المقالية والموضوعية.
ورغم أن هذه التغييرات جاءت بهدف التطوير، فإن تكرارها خلق حالة من عدم الاستقرار لدى الطلاب وأولياء الأمور.
هذا التذبذب جعل كثيرين يرون أن المشكلة لا تكمن فقط في شكل الامتحان، بل في غياب رؤية ثابتة طويلة المدى لمنظومة التقييم ككل.
هل يحقق النظام العدالة؟
تؤكد الوزارة أن النظام الحالي يضمن تكافؤ الفرص ويحد من الأخطاء البشرية في التصحيح، وهو ما يُعد من أبرز مزاياه. لكن في المقابل، يشير منتقدون إلى أن الاعتماد الكبير على الاختيار من متعدد قد لا يعكس الفروق الحقيقية بين الطلاب، خاصة في المهارات التحليلية والتعبيرية.
كما أن تقليل نسبة الأسئلة المقالية يضعف قدرة الطالب على التعبير وشرح أفكاره. وهي مهارات أساسية في التعليم الجامعي وسوق العمل.
إلى أين يتجه النظام؟
يبقى السؤال الأهم:
هل يحتاج النظام إلى مزيد من التعديلات، أم إلى استقرار وتطوير في أساليب التدريس نفسها؟
يرى خبراء أن تحسين جودة التعليم لا يتوقف على شكل الامتحان فقط، بل يتطلب تطوير المناهج، وتأهيل المعلمين. وتقليل كثافة الفصول، إلى جانب إعادة النظر في فلسفة التقييم بحيث تقيس الفهم الحقيقي، لا مجرد القدرة على اجتياز الاختبار.
