في مؤشر جديد على تصاعد الضغوط داخل القطاع المصرفي، اتجهت بنوك محلية إلى تشديد شروط تمويل عمليات الاستيراد، عبر رفع عمولات الاعتمادات المستندية وزيادة متطلبات الغطاء النقدي، في محاولة لاحتواء أزمة نقص العملة الأجنبية التي تفاقمت مع تداعيات الحرب الإقليمية.
قيود مصرفية لمواجهة نقص الدولار
رفعت بعض البنوك عمولة فتح الاعتمادات المستندية إلى نحو 1.25%، مقارنة بمستويات كانت لا تتجاوز 0.2% سابقًا، كما زادت متطلبات الغطاء النقدي لتصل في بعض الحالات إلى 150% من قيمة الصفقة.
وتُلزم البنوك العملاء بإيداع قيمة الاعتماد بالجنيه المصري مسبقًا، قبل تدبير الدولار عند التنفيذ، في خطوة تهدف إلى تقليل المخاطر الناتجة عن تقلبات سعر الصرف.
ضغوط غير مسبوقة على السيولة
تعكس هذه الإجراءات أزمة حقيقية في توافر الدولار داخل الجهاز المصرفي، حيث تواجه البنوك ضغوطًا متزايدة نتيجة خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين الحكومية.
وسجل المستثمرون الأجانب والعرب صافي بيع بنحو 5.2 مليار دولار منذ بداية الحرب، وهو ما أدى إلى تراجع السيولة الدولارية وارتفاع الطلب عليها داخل السوق.
كما تضاعفت معاملات سوق الإنتربنك بين البنوك لتصل إلى نحو 6.8 مليار دولار خلال فترة قصيرة، في محاولة لتلبية احتياجات السوق وتغطية خروج الاستثمارات.
الحرب تضغط على الجنيه
زاد التصعيد الإقليمي من حدة الأزمة، حيث فقد الجنيه المصري نحو 10% من قيمته منذ بداية مارس، متراجعًا إلى حوالي 52 جنيهًا مقابل الدولار، مقارنة بنحو 47.5 جنيه قبل اندلاع الحرب.
هذا التراجع دفع البنوك إلى اتخاذ إجراءات تحوطية، مع ارتفاع تكلفة التعامل مع البنوك المراسلة في الخارج وزيادة علاوة المخاطر المرتبطة بالاقتصاد المصري.
التجار بين الخوف والتكلفة
في المقابل، تحرك التجار بسرعة لفتح اعتمادات مستندية جديدة لتأمين وارداتهم، تحسبًا لأي اضطرابات في سلاسل الإمداد أو زيادات إضافية في الأسعار.
لكن هذه الخطوة جاءت بتكلفة أعلى، ما يهدد بانتقال الضغوط إلى أسعار السلع في الأسواق. خاصة في بلد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاته الأساسية.
تضخم يلوح في الأفق
تزامنت هذه التطورات مع ارتفاع أسعار الوقود محليًا، ما يزيد من احتمالات موجة تضخمية جديدة. وقد ارتفع معدل التضخم بالفعل إلى 13.4% في فبراير، وسط توقعات بمزيد من الزيادات نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
أزمة أعمق من مجرد إجراءات بنكية
تكشف تحركات البنوك أن الأزمة لا تتعلق فقط بسياسات مصرفية. بل تعكس اختلالًا أوسع في توازن النقد الأجنبي داخل الاقتصاد المصري.
فالقطاع المصرفي يجد نفسه في مواجهة معادلة صعبة:
- تلبية طلبات الاستيراد
- الحفاظ على احتياطيات الدولار
- احتواء تقلبات سعر الصرف
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية وخروج الاستثمارات، تبدو هذه المعادلة أكثر تعقيدًا. ما يضع البنوك في موقع الدفاع عن الاستقرار المالي. بينما يتحمل المستهلك النهائي كلفة هذه الضغوط عبر ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
إلى أين يتجه القطاع المصرفي؟
مع استمرار الأزمة، يرجح أن تواصل البنوك تشديد سياساتها تجاه تمويل الاستيراد. وهو ما قد يؤدي إلى تباطؤ حركة التجارة وزيادة الضغوط على الأسواق المحلية.
