نصف الموازنة يذهب للدَّين.. قفزة قياسية في فوائد القروض
تكشف البيانات المالية الحديثة عن تحول لافت في هيكل الإنفاق الحكومي في مصر، حيث باتت خدمة الدَّين تستحوذ على النصيب الأكبر من الموازنة العامة، في تطور يعكس تصاعد الضغوط المالية وتزايد الاعتماد على الاقتراض خلال السنوات الأخيرة.
قفزة مستمرة في تكلفة الدَّين
أظهر التقرير الشهري الصادر عن وزارة المالية المصرية، والذي يغطي الفترة من يوليو إلى فبراير من العام المالي 2026/2025، أن فوائد الديون سجلت نحو 1.6 تريليون جنيه، بما يمثل 55.2% من إجمالي المصروفات العامة التي بلغت 2.95 تريليون جنيه.
وتعكس هذه الأرقام زيادة ملحوظة مقارنة بالفترة نفسها من العام المالي السابق، حين بلغت الفوائد 1.2 تريليون جنيه بنسبة 52.4% من المصروفات، ما يشير إلى تسارع وتيرة نمو عبء خدمة الدين عامًا بعد آخر.
من ثلث الموازنة إلى أكثر من النصف
وعند مقارنة الأرقام الحالية بالسنوات الماضية، يتضح حجم التحول الكبير في هيكل الإنفاق:
- قبل خمس سنوات، لم تتجاوز فوائد الديون نحو 37% من المصروفات
- ثم ارتفعت إلى 41.4% في العام المالي 2023/2022
- لتتجاوز لاحقًا حاجز 50% خلال الأعوام الأخيرة
هذا التصاعد المتتالي يعكس انتقال خدمة الدين من بند رئيسي إلى البند الأكثر استنزافًا للموارد العامة.
انعكاسات على الإنفاق الاجتماعي
في المقابل، تشير تقديرات الإنفاق إلى فجوة واضحة بين ما يُخصص لخدمة الديون وما يتم توجيهه لقطاعات أساسية مثل التعليم والصحة.
فبحسب تحليل صادر عن مركز حلول للسياسات البديلة، فإن نصيب الفرد من الإنفاق الحكومي على التعليم لا يتجاوز نحو 2910 جنيهات سنويًا، بينما يبلغ نصيب الفرد من الصحة نحو 2274 جنيهًا فقط.
ويرى المركز أن هذه المؤشرات تعكس اختلالًا في أولويات الإنفاق، حيث يتم توجيه الجزء الأكبر من الموارد لسداد التزامات قصيرة الأجل، على حساب الاستثمار في التنمية البشرية.
لماذا تتزايد فوائد الديون؟
يربط خبراء هذا الارتفاع بعدة عوامل، من أبرزها:
- التوسع في الاقتراض المحلي والخارجي
- ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا ومحليًا
- تراجع قيمة العملة المحلية، ما يزيد تكلفة خدمة الديون الخارجية
- الاعتماد على أدوات دين قصيرة الأجل ذات عوائد مرتفعة
تحديات مستقبلية وضغوط متزايدة
يشير استمرار هذا الاتجاه إلى تحديات معقدة أمام المالية العامة، أبرزها:
- تضييق المساحة المالية المتاحة للإنفاق على الخدمات
- زيادة الحاجة للاقتراض لتغطية العجز
- ارتفاع مخاطر الاستدامة المالية على المدى المتوسط
بين الضرورة والإصلاح
في ظل هذه المعطيات، يطرح تصاعد تكلفة الدَّين تساؤلات حول مدى قدرة السياسات الحالية على تحقيق التوازن بين الوفاء بالالتزامات المالية، وتلبية احتياجات المواطنين، خاصة في مجالات التعليم والصحة.



