ارتفاع تكلفة العلاج النفسي يثير أزمة جديدة حول مفهوم الحق في الصحة

أوصت هيئة مفوضي الدولة بمحكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار وزير الصحة، في الجزء المتعلق بتسعير بعض خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان، وذلك في دعوى أقامها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالتنسيق مع حملة “مصيرنا واحد”، طعنت على الزيادات التي طالت لائحة الأسعار الجديدة داخل المنشآت العلاجية التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية.

وجاءت توصية الهيئة بقبول الدعوى شكلًا وفي الموضوع بإلغاء القرار فيما لم يتضمنه من ضمان صريح لمجانية علاج غير القادرين في حالات الطوارئ والخطر على الحياة، مع إلزام الجهة الإدارية بالمصروفات، استنادًا إلى النصوص الدستورية المنظمة للحق في الصحة، والقوانين المتعلقة برعاية المرضى النفسيين.

أولًا: جدل قضائي حول تسعير العلاج النفسي

تعود تفاصيل القضية إلى القرار الوزاري رقم 220 لسنة 2025، الذي تضمن اعتماد لائحة مالية جديدة لصندوق تحسين الخدمة بمستشفيات الصحة النفسية ومراكز علاج الإدمان.

وشملت اللائحة زيادات كبيرة في تكلفة الإقامة والخدمات العلاجية، حيث ارتفعت أسعار الإقامة الشهرية داخل الأقسام الداخلية من مستويات كانت تُقدَّر بنحو 150 جنيهًا في السابق إلى آلاف الجنيهات شهريًا، وصلت في بعض الفئات إلى ما بين 4500 و11500 جنيه، بخلاف تكاليف الفحوصات والتحاليل والجلسات العلاجية.

كما شملت اللائحة رسومًا على خدمات أخرى مثل الاستشارات النفسية والعلاج الكهربائي والعيادات الخارجية، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول مدى قدرة المرضى على تحمل التكلفة.

ثانيًا: طعن قانوني يستند إلى “الحق الدستوري في الصحة”

الدعوى المقامة من المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية استندت إلى نصوص دستورية تُلزم الدولة بضمان الحق في الصحة وتوفير الرعاية الطبية، خاصة في الحالات الحرجة والطوارئ، إضافة إلى التشريعات المنظمة لحقوق المرضى النفسيين.

وأكدت هيئة المفوضين في تقريرها أن عدم النص على مجانية العلاج في حالات الخطر على الحياة. يمثل إشكالية قانونية تستوجب إعادة النظر في القرار، بما يتوافق مع الالتزامات الدستورية للدولة تجاه المواطنين.

ثالثًا: مخاوف من “تحول العلاج إلى عبء مالي”

رحبت حملة “مصيرنا واحد” بتوصية هيئة المفوضين. معتبرة أن الزيادات في الأسعار أدت إلى تقليص قدرة شرائح واسعة من المرضى على الوصول إلى خدمات الصحة النفسية. وهو ما وصفته بأنه “تحويل للعلاج إلى خدمة باهظة التكلفة”.

وأشارت الحملة إلى أن ارتفاع معدلات الضغوط الاجتماعية والحوادث المرتبطة بالاضطرابات النفسية خلال الفترة الأخيرة. يعزز الحاجة إلى توسيع نطاق العلاج المجاني أو منخفض التكلفة بدلًا من زيادته.

رابعًا: الحكومة بين تطوير الخدمة وإعادة هيكلة التمويل

في المقابل، كانت وزارة الصحة قد أصدرت القرار محل الطعن ضمن إطار إعادة تنظيم وتمويل خدمات الصحة النفسية. عبر صندوق تحسين الخدمة، بهدف دعم المستشفيات وتطوير البنية التحتية وتوفير موارد إضافية لتحسين جودة العلاج.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن الهدف من اللائحة هو رفع كفاءة الخدمات العلاجية داخل المستشفيات التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية. بما يشمل الإقامة والفحوصات والعلاج الدوائي والنفسي.

خامسًا: ملف الصحة النفسية بين الحق الإنساني وكلفة الخدمة

يعيد هذا الملف فتح النقاش الأوسع حول طبيعة خدمات الصحة النفسية في مصر. وحدود التوازن بين تطوير الخدمة من جهة، وضمان إتاحتها للفئات غير القادرة من جهة أخرى.

فبينما ترى جهات حقوقية أن تسعير الخدمات بهذا الشكل قد يقيد حقًا أساسيًا في العلاج. تؤكد الدولة أن تطوير الخدمة يتطلب مصادر تمويل مستدامة لضمان استمرارية وجودتها.

اقرأ أيضا

“أهل الخير 2”: كيف يُصاغ الدعم الاجتماعي لتلميع صورة النظام؟

Exit mobile version