الدعم النقدي: إصلاح اقتصادي أم عبء جديد على الفقراء؟
تتجه الحكومة نحو دراسة تطبيق نظام الدعم النقدي بدلًا من الدعم السلعي التقليدي، في تحول اقتصادي واجتماعي قد يمثل أحد أكبر التغييرات في منظومة الحماية الاجتماعية خلال العقود الأخيرة، وفق ما أعلنه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي أشار إلى إمكانية بدء التنفيذ مع العام المالي 2026-2027.
ويقوم نظام الدعم الحالي على توفير سلع أساسية مدعومة، مثل الخبز والزيت والسكر، عبر بطاقات التموين، فيما يقوم المقترح الجديد على منح الأسر المستحقة مبالغ مالية مباشرة بدلًا من السلع.
لماذا تريد الحكومة التحول إلى الدعم النقدي؟
تقول الحكومة إن النظام الحالي يعاني من مشكلات تتعلق بالتوزيع والتخزين والهدر، إلى جانب تسرب جزء من الدعم بعيدًا عن مستحقيه، وهو ما يدفعها للبحث عن نموذج تعتبره أكثر كفاءة ومرونة في توجيه الموارد.
وأكد مدبولي أن الحكومة ستعلن قريبًا التفاصيل التنفيذية الخاصة بالنظام الجديد، دون الكشف حتى الآن عن قيمة المبالغ النقدية أو آلية التطبيق التدريجي.
ورغم الاتجاه نحو التحول، خصصت الحكومة نحو 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية في موازنة 2026-2027، ليظل هذا البند الأكبر ضمن مخصصات الدعم الاجتماعي في البلاد.
قلق واسع بين الأسر محدودة الدخل
يثير الحديث عن التحول إلى الدعم النقدي حالة من القلق لدى قطاعات واسعة من المصريين، خاصة أن ملايين الأسر تعتمد بصورة أساسية على بطاقات التموين لتوفير احتياجاتها الغذائية اليومية في ظل الارتفاع المستمر للأسعار.
ويخشى مراقبون من أن تتحول قيمة الدعم النقدي إلى مبلغ غير كافٍ مع تسارع معدلات التضخم، ما قد يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للأسر الفقيرة خلال فترة قصيرة.
كما يرى البعض أن الدعم العيني يمنح نوعًا من الحماية المباشرة للغذاء الأساسي، بينما يصبح المواطن في النظام النقدي أكثر عرضة لتقلبات السوق والأسعار.
خبراء: نجاح التجربة مرهون بضبط التضخم
الكاتب والخبير الاقتصادي ممدوح الولي سبق أن حذر في مقالات وتصريحات إعلامية من أن التحول إلى الدعم النقدي دون السيطرة على معدلات التضخم قد يؤدي إلى تآكل سريع لقيمة الدعم، معتبرًا أن المشكلة الأساسية ليست فقط في طريقة تقديم الدعم، بل في الارتفاع المستمر للأسعار وتراجع القوة الشرائية للجنيه.
أما الباحث الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي. فكان قد أشار في تصريحات سابقة إلى أن أي إصلاح لمنظومة الدعم يحتاج إلى إرادة سياسية ورؤية اجتماعية متكاملة. محذرًا من أن تقليص الدعم دون توفير بدائل حقيقية قد يضاعف الضغوط على الفئات الأكثر احتياجًا.
في المقابل، يرى بعض المؤيدين للتحول النقدي أن النظام الجديد قد يحد من الفساد والتسرب داخل حلقات التوزيع. ويوجه الأموال مباشرة إلى المستفيدين، بشرط وجود قاعدة بيانات دقيقة وآليات حماية من التضخم.
كما تناول الكاتب الاقتصادي مصطفى عبد السلام في مقالات وتحليلات إعلامية سابقة. مخاطر تراجع الدعم العيني في ظل الأوضاع المعيشية الحالية. مشيرًا إلى أن الفئات الفقيرة أصبحت أكثر اعتمادًا على شبكات الحماية الاجتماعية مع ارتفاع تكاليف الغذاء والخدمات.
بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية
يأتي النقاش حول الدعم النقدي في وقت تواجه فيه مصر ضغوطًا اقتصادية كبيرة. تشمل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية وزيادة أعباء المعيشة.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن الحكومة تسعى إلى تقليل كلفة منظومة الدعم التقليدية وتحسين كفاءتها. خاصة مع توصيات متكررة من مؤسسات دولية بضرورة إعادة هيكلة الدعم.
لكن في المقابل يحذر اقتصاديون. من أن نجاح أي تحول في هذا الملف سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة على حماية الأسر الفقيرة من موجات ارتفاع الأسعار. وضمان أن يبقى الدعم قادرًا على تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.



