مليار دولار جديد من البنك الدولي.. هل أصبحت القروض مسارًا دائمًا لإنقاذ الاقتصاد المصري؟

حصلت مصر على تمويل جديد بقيمة مليار دولار من مجموعة البنك الدولي، في خطوة تعكس استمرار اعتماد القاهرة على التمويلات الخارجية لدعم برنامجها الاقتصادي، وسط ضغوط إقليمية متصاعدة وتحديات داخلية تتعلق بالدين والتضخم وتكلفة المعيشة.

ويأتي التمويل الجديد، الذي يتضمن ضمانًا ائتمانيًا بريطانيًا بقيمة 200 مليون دولار، ضمن المرحلة الثانية من برامج تمويل سياسات التنمية، الهادفة إلى دعم القطاع الخاص، وتحسين أوضاع المالية العامة، ودفع التحول نحو الاقتصاد الأخضر.

لكن الإعلان عن القرض أعاد إلى الواجهة سؤالًا يتكرر مع كل تمويل جديد تحصل عليه مصر: إلى متى سيظل الاقتصاد المصري يعتمد على القروض والتمويلات الدولية من أجل الإصلاح؟

تمويل جديد في لحظة حساسة

يتزامن التمويل مع محاولات الحكومة المصرية تثبيت مؤشرات الاقتصاد الكلي بعد سنوات من الضغوط الناتجة عن نقص العملة الأجنبية وارتفاع التضخم وأعباء الديون.

وبحسب البنك الدولي، فإن البرنامج الجديد يركز على خلق فرص عمل يقودها القطاع الخاص، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، فضلًا عن دعم سياسات التحول الأخضر والطاقة المستدامة.

كما يأتي في وقت ترى فيه المؤسسات الدولية أن الحرب الدائرة في المنطقة، وخاصة التوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، تضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد المصري، سواء عبر ارتفاع تكاليف الطاقة أو تراجع حركة التجارة والسياحة.

الاقتصاد يتحسن.. لكن بالدَّين

الحكومة المصرية تؤكد أن الإصلاحات الأخيرة بدأت تؤتي ثمارها، مستشهدة بارتفاع الاحتياطي النقدي وتحسن سعر الجنيه وتراجع التضخم نسبيًا وتحقيق فائض أولي بالموازنة.

غير أن جانبًا كبيرًا من هذا التحسن ارتبط بتدفقات مالية خارجية، سواء من القروض أو الاستثمارات الخليجية أو برامج التمويل الدولية.

ويرى خبراء اقتصاد دوليون أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في الاقتراض، بل في قدرة الاقتصاد على توليد موارد إنتاجية وصادرات واستثمارات حقيقية تقلل الحاجة المستمرة للاستدانة.

صندوق النقد: الإصلاحات الهيكلية لا تزال بطيئة

في مراجعاته الأخيرة لبرنامج مصر، شدد صندوق النقد الدولي على أن التقدم في الإصلاحات الهيكلية ما يزال «متفاوتًا»، رغم تحسن بعض المؤشرات المالية والنقدية.

وأكدت المتحدثة باسم الصندوق، جولي كوزاك، في تصريحات نقلتها وكالة رويترز، أن أي تمويلات مستقبلية لمصر ستظل مرتبطة بتنفيذ «إصلاحات أعمق»، خصوصًا ما يتعلق بتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتعزيز دور القطاع الخاص.

كما أشار الصندوق إلى أن استمرار الاعتماد على الاقتراض دون تسريع الإصلاحات الإنتاجية قد يفرض ضغوطًا طويلة الأمد على المالية العامة والدين الحكومي.

خبراء دوليون: القروض ليست مشكلة.. إذا تحولت إلى إنتاج

الخبير الاقتصادي المصري الدولي محمد فؤاد وصف علاقة مصر بصندوق النقد بأنها «علاقة توتر مزمنة». معتبرًا أن القاهرة تنجح غالبًا في تنفيذ الإصلاحات النقدية مثل التعويم والفائض الأولي. لكنها تتباطأ في الإصلاحات الهيكلية المرتبطة بالإنتاج والمنافسة وتحرير السوق.

وفي تصريحات نقلتها شبكة CNN العربية. رأى خبراء اقتصاد أن الاتفاقات مع المؤسسات الدولية تمنح الاقتصاد المصري «شهادة ثقة» تساعد على جذب الاستثمارات والتدفقات الأجنبية. لكنها لا تمثل حلًا دائمًا إذا لم تُترجم إلى نمو إنتاجي حقيقي وزيادة في الصادرات والتشغيل.

أما مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد، جهاد أزعور. فأكد في أكثر من مناسبة أن استقرار الاقتصاد المصري يتطلب استمرار مرونة سعر الصرف. وتقليص التشوهات الاقتصادية، وتعزيز تنافسية القطاع الخاص.

لماذا لا تتوقف مصر عن الاقتراض؟

يرى اقتصاديون أن مصر تواجه معادلة شديدة التعقيد. فالدولة تحتاج إلى تمويلات ضخمة لتغطية فاتورة الاستيراد وخدمة الدين وتمويل المشروعات ودعم الاحتياجات الاجتماعية. بينما لا يزال الاقتصاد يعاني من فجوة دولارية مزمنة وضعف نسبي في الإنتاج التصديري.

كما أن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا خلال السنوات الأخيرة زاد من تكلفة الاقتراض. في وقت تلتهم فيه فوائد الديون جزءًا كبيرًا من الإنفاق العام.

وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن نجاح الإصلاح المصري على المدى الطويل يعتمد على قدرة الاقتصاد على التحول. من اقتصاد يعتمد على التمويل الخارجي إلى اقتصاد يقوده الإنتاج والاستثمار الخاص والتصدير.

هل تغيّر القروض شكل الاقتصاد أم تؤجل الأزمة؟

الجدل داخل الأوساط الاقتصادية لا يدور حول مبدأ الاقتراض نفسه، فمعظم الاقتصادات النامية تلجأ إلى التمويل الخارجي. لكن النقاش الحقيقي يتمحور حول كيفية استخدام هذه القروض.

فإذا تحولت الأموال إلى استثمارات إنتاجية وبنية اقتصادية قادرة على خلق وظائف وزيادة التصدير، يمكن أن تصبح القروض أداة للنمو.

أما إذا استمر الاعتماد عليها لسد الفجوات التمويلية قصيرة الأجل فقط. فإن الاقتصاد قد يجد نفسه في دائرة مستمرة من الاستدانة وإعادة التمويل.

اقرأ أيضا

كيف تمدد جهاز “مستقبل مصر” داخل مفاصل الاقتصاد المصري؟

Exit mobile version