في توقيت إقليمي شديد الحساسية، جاءت زيارة عبد الفتاح السيسي إلى أوغندا ولقاؤه بالرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، لتتجاوز إطارها الدبلوماسي التقليدي المرتبط بملفات التعاون الثنائي وحوض النيل، وتفتح بابًا أوسع للتأمل في طبيعة العلاقات بين أنظمة الحكم الممتدة في أفريقيا، والرهانات السياسية التي تحكم بقاءها واستمرارها.
فالزيارة التي حملت عناوين التعاون الاقتصادي والتنسيق الإقليمي، بدت في جانب منها انعكاسًا لتقارب سياسي بين نموذجين للحكم يضعان “الاستقرار” و”استمرار الدولة” في مقدمة الأولويات، حتى وإن جاء ذلك وسط انتقادات تتعلق بمساحات الديمقراطية وتداول السلطة.
ويعد موسيفيني، الذي يحكم أوغندا منذ عام 1986، أحد أطول القادة الأفارقة بقاءً في السلطة، بعدما نجح على مدار أربعة عقود تقريبًا في إعادة تشكيل النظام السياسي الأوغندي بما يسمح باستمرارية حكمه، عبر تعديلات دستورية وتحالفات أمنية وسياسية معقدة، جعلته نموذجًا بارزًا لفكرة “الرئيس طويل البقاء” في أفريقيا.
ما وراء الزيارة.. تقارب يتجاوز ملف النيل
ورغم أن البيانات الرسمية ركزت على ملفات المياه، والتعاون الاقتصادي، والأمن الإقليمي، فإن الزيارة حملت أبعادًا سياسية أعمق، خصوصًا في ظل حرص القاهرة خلال السنوات الأخيرة على بناء شبكة تحالفات قوية داخل دول حوض النيل وشرق أفريقيا، لموازنة التحولات الإقليمية المرتبطة بملف سد النهضة والنفوذ المتزايد لقوى إقليمية ودولية في القارة.
لكن اللافت أن العلاقة بين السيسي وموسيفيني لا تبدو مجرد علاقة مصالح سياسية عابرة، بل تقارب بين رؤيتين متشابهتين لطبيعة الدولة والسلطة وإدارة المجال العام.
فكلا النظامين يقدمان نفسيهما باعتبارهما حائط صد أمام الفوضى وعدم الاستقرار، وكلاهما يعتمد بصورة كبيرة على المؤسسة الأمنية والعسكرية باعتبارها الضامن الأساسي لبقاء الدولة واستمرار النظام.
نموذج “الرئيس الأبدي” في أفريقيا
منذ وصوله إلى الحكم عبر العمل المسلح في ثمانينيات القرن الماضي، نجح موسيفيني في ترسيخ نموذج سياسي يقوم على الدمج بين الشرعية الأمنية، والتحكم السياسي، وإدارة التوازنات الداخلية والخارجية.
وعلى مدار سنوات حكمه، ألغيت القيود المتعلقة بعدد الفترات الرئاسية، ثم جرى تعديل شرط السن الرئاسي، بما سمح له بالاستمرار في الحكم رغم تقدمه في العمر، وسط اتهامات متكررة من المعارضة باستخدام مؤسسات الدولة لضمان بقاء النظام.
ورغم الانتقادات الغربية المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية، حافظ موسيفيني على موقعه كشريك إقليمي مهم في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والاستقرار في شرق أفريقيا، ما وفر له غطاءً دوليًا للاستمرار.
هل يمثل موسيفيني نموذجًا ملهمًا للأنظمة الممتدة؟
في السياق المصري. يرى مراقبون أن تجربة موسيفيني تحظى باهتمام داخل دوائر الحكم التي تركز على فكرة “الدولة المستقرة طويلة الأمد”. خصوصًا مع تشابه الخطاب السياسي بين النظامين حول أولوية الأمن والاستقرار على حساب التحولات السياسية السريعة.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تطابق كامل بين التجربتين، لكن ثمة تشابهًا في فلسفة الحكم القائمة على:
- مركزية السلطة
- تقليص مساحات المعارضة
- الاعتماد على مؤسسات الدولة الأمنية
- تقديم الاستقرار باعتباره المبرر الرئيسي للاستمرار
كما أن استمرار موسيفيني في الحكم لعقود طويلة يقدم نموذجًا أفريقيًا لأنظمة ترى أن البقاء الممتد في السلطة ليس استثناءً. بل جزءًا من معادلة الحفاظ على الدولة.
مصر وأوغندا
سياسيًا، تسعى القاهرة إلى توسيع حضورها داخل أفريقيا عبر شراكات اقتصادية وأمنية ومائية، خاصة مع دول حوض النيل. بينما تنظر أوغندا إلى مصر باعتبارها شريكًا إقليميًا قادرًا على توفير الدعم في مجالات البنية التحتية والطاقة والمياه.
لكن على مستوى أعمق، تبدو العلاقة بين البلدين أيضًا انعكاسًا لتقارب بين أنظمة حكم تواجه تحديات اقتصادية وضغوطًا داخلية. وتبحث في الوقت نفسه عن تثبيت الاستقرار السياسي وضمان استمرارية النظام.
