الحبس الاحتياطي في مصر.. إجراء قانوني أم عقوبة مفتوحة؟

مع كل جلسة محاكمة جديدة لناشط سياسي أو صحافي أو صاحب رأي في مصر، يعود ملف المعتقلين السياسيين إلى صدارة المشهد العام، ليس فقط بوصفه قضية حقوقية، وإنما باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطًا بطبيعة المجال العام وحدود التعبير السياسي في البلاد.

فالمشهد الذي بدا خلال السنوات الأخيرة وكأنه يتجه إلى قدر من التهدئة عبر الحديث الرسمي عن “الحوار الوطني” وقرارات العفو الرئاسي، عاد ليكشف عن استمرار التوتر بين السلطة والمعارضة، في ظل استمرار الحبس الاحتياطي المطول، وإعادة تدوير القضايا، وتكرار الاتهامات المرتبطة بنشر الأخبار الكاذبة أو الانضمام إلى جماعات محظورة.

وخلال الأيام الماضية، أعادت محاكمات عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية، وفي مقدمتهم الناشط السياسي أحمد دومة، ورسّام الكاريكاتير أشرف عمر، إلى جانب الجدل المثار حول اختفاء المخرج عمر صلاح مرعي، تسليط الضوء على واقع الحريات السياسية وملف سجناء الرأي، في وقت تحاول فيه أطراف معارضة ومنظمات حقوقية إعادة تحريك القضية عبر مؤتمرات وفعاليات تضامنية تطالب بإنهاء الحبس الاحتياطي والإفراج عن المعتقلين.

دومة.. من العفو الرئاسي إلى قفص الاتهام مجددًا

القضية الخاصة بأحمد دومة بدت الأكثر دلالة على طبيعة العلاقة المتوترة بين الدولة وبعض رموز المعارضة السياسية. فالرجل الذي قضى قرابة عشر سنوات داخل السجون قبل حصوله على عفو رئاسي، عاد مجددًا إلى ساحات المحاكم بسبب مقال رأي ومنشورات تتعلق بظروف الاحتجاز داخل السجون.

وخلال جلسات محاكمته الأخيرة، لم يكتف دومة بنفي الاتهامات الموجهة إليه، بل حاول تحويل القضية إلى مساحة لفتح النقاش حول أوضاع السجون، من خلال مطالبته المحكمة بمعاينة محبسه والتأكد من شكاواه المتعلقة بالإضاءة المستمرة داخل أماكن الاحتجاز وتأثيرها النفسي على السجناء.

كما حملت طلبات الدفاع دلالات سياسية واضحة، بعدما طالب بسماع شهادات شخصيات معارضة محتجزة وسابقة الاحتجاز، من بينهم عبد المنعم أبو الفتوح وأحمد الطنطاوي وزياد العليمي، في محاولة لإثبات أن ما تحدث عنه دومة ليس حالة فردية بل جزء من واقع أوسع داخل السجون المصرية.

الحبس الاحتياطي

الجدل المتجدد حول ملف المعتقلين لا ينفصل عن الانتقادات الواسعة التي تواجه سياسة الحبس الاحتياطي في مصر، والتي ترى منظمات حقوقية ومعارضون أنها تحولت عمليًا من إجراء استثنائي مؤقت إلى عقوبة طويلة الأمد تُفرض قبل صدور أي أحكام قضائية.

وتبرز في هذا السياق قضايا مثل قضية المترجمة مروة عرفة، التي أمضت سنوات بين الحبس الاحتياطي والمحاكمة، وكذلك قضية رسام الكاريكاتير أشرف عمر والصحافيين ياسر أبو العلا ورمضان جويدة، الذين يواجهون اتهامات مرتبطة بالإرهاب وتمويله، وهي الاتهامات التي أصبحت حاضرة بصورة متكررة في العديد من القضايا السياسية والإعلامية خلال السنوات الأخيرة.

ويرى حقوقيون أن المشكلة لم تعد فقط في طول فترات الاحتجاز، بل في ما يصفونه بـ”التوسع الفضفاض” في استخدام الاتهامات المرتبطة بالأمن القومي والإرهاب ضد معارضين وصحافيين ونشطاء، الأمر الذي يخلق حالة من القلق والخوف داخل المجال العام.

المعارضة تحت الانتقاد أيضًا

ورغم تركيز الانتقادات على السلطة وأجهزتها الأمنية. فإن الفعاليات التضامنية الأخيرة كشفت أيضًا عن تصاعد حالة الغضب تجاه بعض قوى المعارضة والأحزاب السياسية. التي تتهمها أسر المعتقلين بالتراجع عن دعم الملف أو التعامل معه بصورة موسمية مرتبطة بالاستحقاقات السياسية.

وجاءت كلمات زوجة الناشط محمد عادل خلال مؤتمر لجنة الدفاع عن سجناء الرأي لتعكس هذا الغضب بوضوح. بعدما وجهت انتقادات مباشرة لأحزاب معارضة وشخصيات عامة، معتبرة أن كثيرًا من القوى السياسية تخلت عن المعتقلين بعد انتهاء معاركها الانتخابية والسياسية.

هذا الانتقاد يعكس أزمة أعمق داخل المعارضة المصرية نفسها. تتعلق بغياب التنسيق، وضعف القدرة على بناء جبهة ضغط متماسكة ومستدامة حول ملف الحريات. في مقابل تفوق واضح للدولة في إدارة المجال العام والسيطرة على مساراته.

هل تغير “الحوار الوطني” شيئًا؟

إعادة طرح ملف المعتقلين بهذا الزخم أعادت أيضًا التساؤلات. حول نتائج الحوار الوطني الذي انطلق قبل سنوات بوصفه محاولة لفتح المجال العام واحتواء الاحتقان السياسي.

فرغم صدور قرارات عفو وإفراج عن بعض الأسماء فإن معارضين وحقوقيين يرون أن تلك الإفراجات ظلت محدودة. ولم تتحول إلى تحول جذري في السياسات المرتبطة بالحريات السياسية والحبس الاحتياطي.

حتى محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، أقر بأن ما تحقق حتى الآن أقل بكثير من التوقعات. مشيرًا إلى أن الأزمة ترتبط في الأساس بآليات التطبيق والإرادة السياسية، أكثر من ارتباطها بالنصوص القانونية.

بين الأمن والسياسة

وتتمسك الدولة المصرية بروايتها القائمة على أن الإجراءات الأمنية والقضائية تستهدف حماية الاستقرار ومواجهة تهديدات الإرهاب والفوضى. خاصة في ظل الأوضاع الإقليمية المعقدة التي تمر بها المنطقة. لكن معارضين يرون أن استمرار توسيع دائرة الاتهامات السياسية والحبس الاحتياطي. يخلق حالة من الانغلاق السياسي قد تؤثر على فرص بناء حياة سياسية طبيعية ومستقرة.

اقرأ أيضا

تصريحات وزير التعليم حول امتحانات الثانوية العامة.. حسم فعلي أم رسائل دعائية؟

Exit mobile version