تقاريرعربي ودولي

من النكبة إلى غزة: هل يُعاد رسم خريطة فلسطين بالقوة؟

في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، يعود ملف التهجير الفلسطيني إلى الواجهة مجددًا، لكن هذه المرة بصورة أكثر اتساعًا وقسوة، بعدما تحولت الحرب الإسرائيلية على غزة، وسياسات الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، إلى مشهد متكامل يعكس ـ بحسب مراقبين ـ استراتيجية إسرائيلية ممتدة تقوم على تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي في فلسطين التاريخية بالقوة العسكرية والضغط الاقتصادي والحصار المستمر.

وبينما يستعيد الفلسطينيون ذكرى نكبة عام 1948، التي أدت إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير مئات القرى والبلدات، يرى باحثون أن ما يجري اليوم ليس سوى امتداد مباشر لذلك المشروع، لكن بأدوات أكثر تعقيدًا وتنوعًا، تتراوح بين الحرب الشاملة، والحصار، والاستيطان، والتضييق المعيشي، وصولًا إلى ما يوصف بـ«التهجير الصامت».

غزة اليوم.. حرب تتحول إلى تهجير واسع

ويرى محللون أن الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023 كشفت بوضوح التحول في طبيعة الخطاب الإسرائيلي، إذ لم تعد دعوات التهجير مجرد أطروحات هامشية داخل اليمين المتطرف، بل أصبحت جزءًا من خطاب سياسي وإعلامي متكرر يتحدث صراحة عن «إعادة تشكيل غزة» وتقليص الوجود الفلسطيني فيها.

وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشأن الفلسطيني عبد الرحمن مغربي إن فكرة التهجير تمثل «ركنًا تأسيسيًا» في المشروع الصهيوني منذ بدايته، موضحًا أن السيطرة على الأرض لم تكن يومًا منفصلة عن محاولة تقليص الوجود الفلسطيني عليها.

ويشير إلى أن السياسات الإسرائيلية لا تعتمد فقط على القوة العسكرية المباشرة، وإنما تستخدم أيضًا أدوات اقتصادية واجتماعية تدفع الفلسطيني تدريجيًا نحو البحث عن حياة بديلة خارج أرضه، سواء عبر تقييد فرص العيش، أو تقويض البيئة الاقتصادية، أو فرض واقع أمني دائم يجعل البقاء أكثر صعوبة.

ومع اتساع العمليات العسكرية في غزة، وارتفاع أعداد النازحين داخل القطاع إلى مستويات غير مسبوقة، يرى مراقبون أن إسرائيل تحاول فرض وقائع جديدة تجعل العودة إلى كثير من المناطق شبه مستحيلة، سواء بسبب التدمير الواسع للبنية التحتية أو استمرار السيطرة العسكرية على أجزاء كبيرة من القطاع.

الضفة والقدس.. استيطان وضغط مستمر

وفي الضفة الغربية، يتواصل التوسع الاستيطاني بوتيرة متسارعة، بالتوازي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وعمليات هدم المنازل ومصادرة الأراضي. وهو ما يعتبره أكاديميون جزءًا من عملية «إحلال تدريجي» تهدف إلى تقليص الحضور الفلسطيني على الأرض.

ويقول أستاذ التاريخ المعاصر نظام العباسي إن الفكر الصهيوني القائم على الإحلال والاستيطان لم يتغير منذ عقود. معتبرًا أن ما يحدث اليوم يكشف بصورة أكثر وضوحًا الرغبة الإسرائيلية في إعادة هندسة الواقع السكاني داخل فلسطين المحتلة.

ويضيف أن الإبادة الواسعة التي شهدها قطاع غزة، إلى جانب التهجير الداخلي المتكرر. تعكس انتقال السياسات الإسرائيلية من محاولات الاحتواء والسيطرة إلى محاولات إعادة رسم الخريطة الديموغرافية بالقوة.

التهجير الصامت وأدوات الضغط غير المباشرة

ويرى محللون أن أخطر ما يواجه الفلسطينيين اليوم لا يقتصر على التهجير المباشر. بل يشمل أيضًا استنزاف مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي، في ظل ارتفاع معدلات البطالة والفقر، واستمرار القيود على الحركة والعمل. وهو ما يدفع قطاعات من الشباب إلى التفكير في الهجرة كخيار للهروب من واقع بات أكثر قسوة.

وفي المقابل، تتزايد الانتقادات الفلسطينية والعربية لما يعتبره مراقبون «عجزًا سياسيًا ودوليًا» عن وقف سياسات التهجير. خاصة مع استمرار الدعم الغربي لإسرائيل رغم الاتهامات المتصاعدة بشأن ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة بحق المدنيين.

اقرأ أيضا

جثث المتوسط تعرّي خطاب السيسي حول “مكافحة الهجرة غير الشرعية”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى