تتزامن تحركات دبلوماسية أمريكية جديدة لمحاولة إعادة إحياء التفاوض بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي مع تصاعد حدة الخطاب السياسي بين البلدين، بعدما وجهت أديس أبابا انتقادات علنية للقاهرة بشأن علاقاتها الإقليمية ومواقفها من أمن البحر الأحمر، في تطور يعكس توسع نطاق الخلاف من ملف المياه إلى ملفات جيوسياسية أوسع.
وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه القاهرة تمسكها برفض أي “إجراءات أحادية” في ملف النيل، واعتبار مياه النهر قضية “وجودية”، بينما تصر إثيوبيا على مواصلة ما تصفه بـ“التنمية المائية المشروعة”، في ظل غياب اتفاق ملزم ينظم تشغيل السد.
انتقادات إثيوبية تربط البحر الأحمر بالتحركات المصرية
وخلال مؤتمر صحفي، اتهم المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية القاهرة بمحاولة “تطويق” بلاده وعرقلة وصولها إلى البحر الأحمر، في إشارة إلى التحركات المصرية مع دول الجوار، خصوصًا إريتريا، التي تؤكد القاهرة معها أن أمن البحر الأحمر يظل حكرًا على الدول المشاطئة له.
وتزامن ذلك مع حراك دبلوماسي تقوده واشنطن عبر مبعوثين ومسؤولين لمناقشة ملف سد النهضة والأمن المائي، في محاولة لإعادة فتح قنوات تفاوض كانت متوقفة منذ سنوات، بعد انهيار جولات التفاوض السابقة بين الطرفين.
هل يمكن ربط مياه النيل بالوصول إلى البحر الأحمر؟
يثير تزامن هذه التصريحات تساؤلات حساسة حول ما إذا كانت أديس أبابا تحاول توظيف ملف سد النهضة كورقة ضغط سياسية في مواجهة القاهرة، مقابل مطالب إثيوبية تاريخية بالحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.
فمن الناحية الجغرافية، إثيوبيا لا تمتلك أي سواحل بحرية منذ استقلال إريتريا عام 1993، ما يجعل أي وصول مباشر إلى البحر الأحمر مرهونًا بتفاهمات إقليمية مع دول الجوار.
لكن مراقبين يرون أن طرح هذا الملف بالتوازي مع أزمة المياه قد يعكس محاولة إثيوبيا توسيع نطاق التفاوض السياسي، من ملف فني يتعلق بتشغيل السد، إلى ملف استراتيجي أوسع يرتبط بالموقع الجيوسياسي والنفوذ الإقليمي.
هل تصبح “المياه مقابل البحر” معادلة تفاوضية؟
يطرح خبراء احتمالًا نظريًا يتمثل في استخدام كل طرف لأوراق ضغطه:
- مصر تعتمد على كون نهر النيل قضية أمن قومي لا تقبل المساومة
- إثيوبيا تمتلك واقعًا مائيًا متحكمًا به جزئيًا عبر السد
- البحر الأحمر يمثل منفذًا استراتيجيًا حيويًا لإثيوبيا
لكن رغم هذا التصور، يشدد دبلوماسيون وخبراء على أن تحويل ملف مياه النيل إلى “مقايضة” سياسية مباشرة مقابل منفذ بحري يظل معقدًا للغاية، إن لم يكن مستبعدًا عمليًا، بسبب حساسية كل ملف وارتباطه بالأمن القومي للدول الثلاث: مصر وإثيوبيا وإريتريا.
كما أن القاهرة تؤكد بشكل متكرر أن أي محاولة لربط ملف المياه بقضايا إقليمية أخرى مرفوضة تمامًا، وأن التفاوض يجب أن يظل محصورًا في إطار قانوني وفني يتعلق بملء وتشغيل السد.
وساطة أمريكية بين مسارين متوازيين
وتحاول الولايات المتحدة دفع مسار تفاوضي جديد. وسط إدراك بأن تعثر المفاوضات السابقة يعود إلى تباين الرؤى حول القواعد الملزمة لتشغيل السد.
ويرى مراقبون أن واشنطن قد تعتمد مقاربة “الحزمة الشاملة” التي تربط بين ملفات إقليمية متعددة. بما فيها الأمن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، إلا أن هذا الطرح قد يصطدم برفض مصري واضح لفكرة دمج الملفات.
بين التصعيد والمساومة: أين يتجه المشهد؟
في ظل التصعيد السياسي المتبادل، تبدو العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا أمام مرحلة أكثر تعقيدًا. خاصة مع توسع الخطاب الإثيوبي ليشمل البحر الأحمر، في مقابل تمسك مصر بربط أي اتفاق حصريًا بملف المياه.
ومع ذلك، يرى محللون أن فكرة “المقايضة المباشرة” بين مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر. لا تزال أقرب إلى التصعيد السياسي والضغط التفاوضي منها إلى احتمال واقعي قابل للتطبيق. نظرًا لتعقيد التوازنات الإقليمية وتشابك مصالح دول القرن الأفريقي والشرق الأوسط.
