تحول الدعم إلى نقدي يثير عاصفة سياسية وسط مخاوف من تآكل الحماية الاجتماعية

أعاد إعلان الحكومة التوجه نحو التحول التدريجي من منظومة الدعم العيني إلى الدعم النقدي فتح واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية والاجتماعية حساسية في مصر، وسط موجة واسعة من التحفظات والاعتراضات البرلمانية والحزبية التي حذرت من مخاطر تطبيق النظام الجديد في ظل استمرار معدلات التضخم المرتفعة وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وتحول ملف الدعم خلال الأيام الماضية إلى محور جدل سياسي واقتصادي واسع، بعدما أكد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن الدولة تدرس استكمال الانتقال إلى منظومة الدعم النقدي، باعتبارها أكثر كفاءة في توجيه الدعم لمستحقيه وتقليل الهدر، بينما يرى معارضون أن الظروف الاقتصادية الحالية لا تسمح بمثل هذا التحول دون ضمانات صارمة تحمي الفئات الأكثر احتياجًا.

مخاوف من تآكل قيمة الدعم

يرى عدد من النواب أن الخطر الأكبر في الدعم النقدي يتمثل في فقدان قيمته الحقيقية مع استمرار ارتفاع الأسعار.

وقال النائب إيهاب منصور إن الفكرة في حد ذاتها ليست محل اعتراض، لكن الأزمة تكمن في آليات التطبيق، مشيرًا إلى أن نقل عشرات الملايين من المواطنين من منظومة الخبز والتموين إلى نظام نقدي مباشر قد يخلق مشكلات معيشية وإدارية واسعة.

وحذر من أن أي مبالغ مالية سيتم تخصيصها للمواطنين قد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها خلال فترة قصيرة بسبب التضخم، وهو ما قد يحرم الأسر الفقيرة من الحماية التي يوفرها الدعم العيني للسلع الأساسية.

وتتفق معه النائبة سناء السعيد التي اعتبرت أن الدعم النقدي الثابت يصبح أقل فعالية كلما ارتفعت الأسعار، بينما يضمن الدعم العيني وصول السلع الأساسية للمواطنين بأسعار مستقرة نسبيًا، ما يوفر شبكة أمان اجتماعي يصعب تعويضها نقديًا.

أزمة بيانات قبل أزمة أموال

ولا تتوقف التحفظات عند الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى الجانب الإداري والتنفيذي.

فبحسب عدد من النواب، لا تزال الدولة تواجه تحديات تتعلق بامتلاك قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة للمستحقين الفعليين للدعم، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الحكومة على تحديد الفئات المستحقة بدقة ومنع تسرب الدعم لغير المستحقين.

وترى المعارضة البرلمانية أن نجاح أي تحول نحو الدعم النقدي يتطلب أولًا الانتهاء من تحديث قواعد البيانات وربطها بمؤشرات الدخل والإنفاق ومستويات الفقر، وهو ما لم يكتمل بصورة نهائية حتى الآن.

تجربة اقتصادية تثير القلق

تأتي هذه المخاوف في ظل تجربة اقتصادية شهدت خلال السنوات الأخيرة موجات متتالية من التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات والطاقة والمواصلات.

ففي مثل هذه الظروف. يخشى منتقدو المشروع أن تتحول قيمة الدعم النقدي إلى أرقام ثابتة لا تواكب التغيرات اليومية في الأسعار. بما يعني تراجع القدرة الشرائية للأسر المستفيدة عامًا بعد آخر.

ولهذا طالب رئيس حزب الجيل الديمقراطي ناجي الشهابي. بضرورة وجود آلية قانونية ملزمة تربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم بشكل دوري. حتى لا يصبح الدعم مجرد مبلغ مالي يتآكل مع مرور الوقت.

لماذا تتمسك الحكومة بالدعم النقدي؟

في المقابل، تستند الحكومة إلى مبررات اقتصادية وإدارية تدفعها نحو هذا التحول.

فمن وجهة نظرها، يسمح الدعم النقدي بوصول الأموال مباشرة إلى المستحقين بدلًا من دعم السلع نفسها. ما يحد من التسرب والهدر والاتجار غير المشروع بالسلع المدعومة.

كما ترى الحكومة أن التطور التكنولوجي والتحول الرقمي يمكن أن يساعدا في إدارة منظومة أكثر كفاءة وعدالة. خاصة مع التوسع في أنظمة الدفع الإلكتروني وقواعد البيانات الرقمية.

لكن هذه الرؤية تصطدم بسؤال جوهري يطرحه المنتقدون:

هل تستطيع الدولة الحفاظ على القوة الشرائية للدعم في ظل اقتصاد لا تزال معدلات التضخم فيه مرتفعة ومتقلبة؟

بين الكفاءة الاقتصادية والحماية الاجتماعية

يكشف الجدل الدائر أن القضية لم تعد مجرد اختيار بين دعم عيني أو نقدي. بل أصبحت معادلة أكثر تعقيدًا تتعلق بالتوازن بين الكفاءة الاقتصادية والحماية الاجتماعية.

فبينما تسعى الحكومة إلى تقليل أعباء الموازنة وتحسين كفاءة الإنفاق العام. تخشى قوى سياسية وبرلمانية من أن يؤدي التحول السريع إلى تحميل الفئات الفقيرة أعباء إضافية. في وقت تواجه فيه بالفعل ضغوطًا معيشية متزايدة.

اقرأ أيضا

تصريحات وزير التعليم تتناقض مع مقولة السيسي: “يعمل إيه التعليم في وطن ضايع؟”

Exit mobile version