تشهد الساحة الاقتصادية المصرية تحركات لافتة لإعادة رسم خريطة دور الدولة في النشاط الاقتصادي، مع اتجاه الحكومة لإعداد قانون جديد ينظم عمل "جهاز مستقبل مصر للتنمية"، في خطوة قد تمثل تحولًا مؤسسيًا مهمًا في إدارة عدد من المشروعات الاستراتيجية والكيانات الاقتصادية الكبرى خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن التشريع المرتقب يستهدف إعادة هيكلة الجهاز وتوسيع صلاحياته التنفيذية والاستثمارية، مع إنهاء تبعيته للقوات المسلحة وتحويله إلى كيان مدني يتبع الدولة بشكل مباشر، ضمن إطار قانوني يحدد اختصاصاته وآليات عمله بصورة أكثر وضوحًا.
إعادة هيكلة لدور الدولة
وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه الحكومة المصرية إلى تنفيذ تعهداتها المتعلقة بإعادة تنظيم دور الدولة في الاقتصاد، وتقليص التشابكات بين الجهات المختلفة العاملة في الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية، بما يسمح بخلق هيكل أكثر وضوحًا للمستثمرين المحليين والأجانب.
ووفق المصادر، فإن القانون الجديد قد يفتح المجال لنقل تبعية عدد من الشركات والكيانات الحكومية إلى مظلة "جهاز مستقبل مصر"، خاصة تلك العاملة في قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والتخزين وسلاسل الإمداد، وهي القطاعات التي شهد الجهاز توسعًا ملحوظًا فيها خلال السنوات الأخيرة.
لماذا تتحرك الحكومة الآن؟
ويرى مراقبون أن هناك عدة عوامل تقف وراء هذا التوجه، يأتي في مقدمتها رغبة الدولة في منح الجهاز شخصية قانونية ومدنية أكثر وضوحًا، بما يسهل تعامله مع المؤسسات المالية الدولية والشركاء الأجانب، ويقلل من الجدل المرتبط بتداخل الأدوار بين المؤسسات العسكرية والاقتصادية.
كما يرتبط الأمر بمحاولات الحكومة تحسين مناخ الاستثمار والاستجابة للمطالب المتكررة من المؤسسات الدولية وصناديق التمويل، التي دعت خلال السنوات الماضية إلى تعزيز الشفافية وتوضيح الأدوار الاقتصادية لمختلف الجهات التابعة للدولة.
كذلك تسعى الحكومة إلى إنشاء كيان قادر على إدارة مشروعات الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والتصنيع المرتبط بها بصورة أكثر مركزية. خاصة في ظل التحديات المرتبطة بارتفاع فاتورة الاستيراد وتقلبات الأسواق العالمية. وسعي القاهرة إلى تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في عدد من السلع الاستراتيجية.
من جهاز تنفيذي إلى ذراع اقتصادية كبرى
وخلال السنوات الماضية، تحول "جهاز مستقبل مصر" من مشروع زراعي ضخم إلى لاعب رئيسي في عدد من الملفات الاقتصادية. حيث توسعت أنشطته لتشمل الإنتاج الزراعي واستصلاح الأراضي والتخزين والتوريد وإدارة سلاسل الإمداد. فضلاً عن مشاركته في عدد من المشروعات القومية المرتبطة بالأمن الغذائي.
ويشير مراقبون إلى أن نقل شركات حكومية إلى مظلة الجهاز قد يجعله واحدًا من أكبر الكيانات الاقتصادية التابعة للدولة. بما يمنحه دورًا محوريًا في إدارة استثمارات ضخمة تمتد عبر عدة قطاعات إنتاجية وخدمية.
بين الإصلاح الاقتصادي وتركيز النفوذ
وفي المقابل، يثير التوسع المتوقع للجهاز تساؤلات حول طبيعة الدور الذي سيؤديه مستقبلًا داخل الاقتصاد المصري.
فبينما ترى الحكومة أن الهدف هو رفع كفاءة الإدارة وتوحيد الجهود وتحقيق سرعة أكبر في تنفيذ المشروعات الاستراتيجية. يرى منتقدون أن نقل مزيد من الشركات والأنشطة إلى كيان واحد. قد يؤدي إلى تركيز نفوذ اقتصادي واسع داخل مؤسسة واحدة. وهو ما يستدعي وجود أطر رقابية وتشريعية واضحة لضمان الشفافية والمساءلة.
